من طرائفنا الخالدة قصة أخونا في الله أشعب الذي قرر ذات يوم ان يخترع (كذبة) مفادها أن هناك مأدبة سخية في مكان ما من المدينة و بدأ الشيخ أشعب بترويج تلك الكذبة على الناس وكل من سمعها هرول ناحية ذلك المكان الموهوم ليلحق بما طاب من الطعام المجاني فأولئك الناس يصدقون الشيخ أشعب ولا يتصورون أن يكون شيخهم كذابٌ أشرٌ دجالٌ ؛ لأنهم رسموا صورة ملائكية لشيخهم أشعب - قدس الله سره - لا يمكن أن تتقاطع تلك الصورة الوردية مع الدجل و الكذب و التدليس ، وبعد أن صدر الناس زرافات ووحداً صدق الشيخ أشعب تلك الكذبة لأنه كان يعتقد بأن الناس لا يمكن أن تجتمع على ضلاله فلم يسعه إلا ان يطلق ساقيه للريح ليلحق على تلك الوليمة الوهمية ويصدق تلك الكذبة التي نسج خيوطها بنفسه وصدقها السذج من البشر .

لا أعلم لما تذكر شيخنا أشعب وانا أقرأ الخبر الذي أوردته جريدة عكاظ هذا اليوم الخميس …. وكتبه صديقنا الفيسبوكي عبدالله الداني وجاء فيه :

عبد الله الداني ـ جدة

علمت «عكـاظ» أنه جرى تعديل المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية، والمتضمنة حصر آلية تحريك الدعاوى الاحتسابية من جانب أفراد المجتمع، واقتصار الحق في رفعها على هيئة التحقيق والادعاء العام.

وأوضحت مصادر مطلعة أن المادة الخامسة في النظام المعدل تنص على مراعاة قبول الدعاوى في المصالح العامة، على أن يتقدم بها ثلاثة مواطنين من أعيان المنطقة، بغية ضبط قضايا الاحتساب في المملكة.

وأكدت المصادر أن النظام المعدل حدد آلية جديدة لاستئناف الحكم في مثل هذه القضايا، إذ يتم الترافع في وجود أطراف النزاع، بدلا من التمييز الذي يقتصر على إعادة النظر في أوراق القضية، مشيرة إلى أن قضايا الاحتساب المستأنفة ستحال للمحكمة العليا للفصل فيها، خصوصا وأن النظام المعدل فند الخصوم في القضاء العام على ثلاثة أقسام تتضمن: الأفراد، الجهات الحكومية، والادعاء العام.

http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20100702/Con20100702359319.htm

حقيقة الخبر مثير للدهشة لكل من له علاقة بالقانون والاجراءات القضائية ؛ حيث أن الخبر يتماهى مع تدليس يمارسه الُمحتسبة من أجل تمرير غاراتهم المتكررة على المثقفين و أهل الرأي من أجل مصادرة كلمتهم وتكميم أفواههم، و إعادة المكتسبات التي فقدوها في السنوات الماضية ، وذلك كله من خلال ما يسمى بدعاوى الحسبة التي لا وجود لها بالنظام الجزائي السعودي على الاطلاق ، فهم يحاولون شرعنة دعاواهم من خلال المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية الذي لا علاقة له ( البتة) بما يحدث في فضاءنا الثقافي بما اصطلح عليه بدعاوى الحسبة ؛ فتلك الدعاوى هي دعاوى (جزائية ) يحكمها من حيث الموضوع نظام (الاجراءات الجزائية ) الذي يحكم الخصومة الجزائية ، بينما نظام المرافعات الشرعية – الذي تحدث عنه خبر جريدة عكاظ- يحكم الدعوى المدنية ، وهناك فرقٌ شاسعٌ بين الدعوى المدنية والدعوى الجزائية ؛ فالدعوى المدنية هي التي يكون موضوعها (حق مدني) لا جناية فيه مثل ان يقرض شخص أخر مبلغ من المال فـ(يزرفه ) فليجأ إلى القضاء للمطالبة بماله ، أو أن يطالب المؤجر بأجرته من المستأجر المماطل ، أو أن تطالب المرأة بالخلع من زوجها ، أو بالنفقه أو بالحضانة ، وغيرها من المسائل المدنية التي تكون بين الناس بصفتهم المدنية بحيث لا يكون هناك (جناية ) بينما الدعوى الجنائية هي تلك الدعوى التي يكون محلها جناية؛ بحيث يقوم شخص بالاعتداء على شخص في نفسه بالاتلاف مثل القتل او مادون ذلك أو في ماله مثل السرقة ، او غير ذلك فيما فيه جناية على النفس او المال او العرض ، وعند الرجوع إلى دعاوى الحسبة فهي دعاوى جنائية يقوم المحتسب بإحلال نفسه محل السلطة المخولة بتحريك الدعوى العام وهي النيابة العامة التي تمثلها هيئة التحقيق والادعاء العام ويطالب المحتسب بإقاع عقوبة (جزائية) على المحتسب عليه و يقوم بالادعاء على شخص او أشخاص بإيقاع حد من حدود الله أو عقوبة تعزيرية ، وعليه فإن الذي يحكم مثل تلك الدعاوى هو (نظام الاجراءات الجزائية )الذي حدد بالتفصيل آلية رفع الدعوى طريقة إداراتها والجهة المخولة في تحريك مثل تلك الدعاوى أمام القضاء وهي هيئة التحقيق والادعاء العام بناء على نص المادة السادسة عشر من نظام الاجراءات الجزائية والتي تنص على ( تختص هيئة التحقيق والادعاء العام وفقاً لنظامها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها أمام المحاكم المختصة·
) وبالتالي فإن نظام المرافعات الشرعية لا علاقة له بحكايات دعاوى الحسبة لا من قريب ولا من بعيد ، وأن هيئة التحقيق والادعاء العام لا علاقة لها بذلك النظام ؛ فهي تطبق فقط نظامها ونظام الاجراءات الجزائية .

نرجع إلى المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية التي يذكر الخبر بانها ستعدل من اجل وقف سيل دعاوى الحسبة حيث تنص على : ( تقبل الدعوى من ثلاثة على الأقل من المواطنين في كل ما فيه مصلحة عامة إذا لم يكن في البلد جهة رسمية مسؤولة عن تلك المصلحة) و فصلت اللائحة التنفيذية تلك المادة على النحو التالي :

( 5/1 المصلحة العامة  هي : ما يتعلق بمنفعة البلد .

5/2 يراعى في قبول الدعوى في المصالح العامة أن يتقدم بها ثلاثة من المواطنين  من أعيان البلد .

5/3 إذا كان بلد المحكمة يتبع في اختصاصه بلداً آخر يوجد فيه  جهة رسمية  لها الاختصاص ،  فلا تسمع الدعوى إلا من جهتها .

إذاً هناك شروطاَ لصحة تحريك مثل تلك الدعاوى المدنية؛ فالنظام يتحدث عن (البلد) أي مدينة أو قرية أو هجرة ليس فيه جهة رسمية لهذا الاختصاص فإنه يجوز أن يتحرك ثلاثة من (أعيان) البلد للدفاع عن المصلحة العامة للبلد والتي فسرها بأنها منفعة (البلد ) أي المدينة أو القرية أو الهجرة .

ثم أن المدعين في تلك الدعوى لا يطالبون بحق من حقوق الله، بل هم يدافعون ويطالبون بحق من حقوقهم الشخصية والتي سماها النظام (منفعة ) أي أن لهم مصلحة من وراء تلك الدعوى ، فعلى سبيل المثال لو افترضنا أن الدولة منحت محافظة (الشماسية ) قطعة ارض لإنشاء حديقة أو مدرسة او مرفق حكومي ثم قام شخص أو شركة أو حتى جهة حكومية بالعدوان على تلك الارض ، فإن لأهل تلك المدينة (الجميلة ) أن يدافعوا عن حقهم ويتصدوا للجهة المتعدية أمام الجهات القضائية لأنه والحالة هذه تنعقد لهم الخصومة لأن لهم ( صفة ) ولهم (مصلحة) في الدعوى فهم لا يدافعون عن حق الله ، وبالتالي ليسوا محتسبة بالمفهوم الشرعي للمصطلح بل هم يدافعون عن حقهم المكتسب بناءً على الأنظمة الذي منحتهم ( الصفة ) و ( المصلحة ) وهما الشرطان الأساسيان لقبول الدعوى ، لكن لو قام نفس الأشخاص بتحريك دعوى على شخص بحجة أنه اختلط أو اختلى بأمرأة خلوة - ليست عارضة بالمفهوم النجيمي - أو كتب في صحيفة كلاماً يعتقدون بأنه مخالف للشريعة فإن دعواه والحالة هذه لا تدخل في المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية لأنها ببساطة دعوى جنائية يحكمها نظام الاجراءات الجزائية الذي يعطي الحق في تحريك مثل تلك الدعوى (حصراً) لهيئة التحقيق والادعاء العام وبالتالي ليس لهك ( مصلحة ) وليس لهم ( صفة ) في تحريكها وأن أي شخص او أشخاص يتطوعون لتحريكها هم يفتئتون على السلطة الشرعية ويتطفلون عليها ، حتى لو قام نفس الاشخاص بتحريك دعاوى مدنية ضد شخص أو شركة أو مصلحة حكومية تعدت على أرض منحتها الدولة لمدينة (بريدة ) على سبيل المثال فإنها تعد دعوى غير مكتسبة الشروط فهي لم تصدر من أعيان البلد ولم تكن دفاعاً عن (منفعة) لهم فلا يعدو تصرفهم سوى تطفل لا قيمة له من الناحية القانونية .

و أنا على يقين أن هيئة الخبراء في مجلس الوزراء وهي المطبخ التشريعي في الدولة على وعي كامل بكل تلك التفاصيل القانونية ولا اعتقد أن مراءات المردة من المحتسبة ستنطلي عليهم ؛ فهم نخبة القانونيين في المملكة وأساتذتنا الذين تعلمنا منهم قيم القانون ومبادئه ، وأن الحل القانوني مع المردة هو التطبيق الصارم لـ(قواعد الحد من آثار الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة) الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 94 و تاريخ 25/4/1406هـ

.

إن أي تعديل يطال نظام المرافعات الشرعية إنما هو إقرار ضمني بخرافة دعاوى الحسبة وفتح المجال لقطعان المحتسبة لإقامة كربلائيات ومناحات على أساس أنهم سُلبوا حقاً مكتسباً وأنهم حققوا نصراً على الأرض مع أن المفترض مواجهتم بالاليات القانونية ومن خلال المبادئ القانونية القضائية المستقرة في كل الأنظمة القضائية في المعمورة بأنه لا يمكن لشخص أن يمثل المجتمع و أن يتحرك بالنيابة عنه مهما بلغت منزلته مالم يمنحه القانون تلك الصلاحية و أن حرية التعبير حق مكتسب لا يمكن المساومة عليه بأي حال من الأحوال .

ولا ريب بأننا نعيش مرحلة تحول نحو ترسيخ المبادئ القانونية في المجتمع ، والقضاء على دعاوى الدجل التي أحكمت قبضتها علينا طول العقود الماضية ؛ لذا فإن من مهمة القانونيين المستقلين الوقوف بكل ما تمليه عليهم مبادئهم أمام مد الدجل والتجهيل الذي يمارسه بعض المردة من أجل إحكام سيطرتهم على حراك المجتمع وعرقلة خطوات التنمية وتكميم أفواه المخلصين من أبناء هذا المجتمع وإرهابهم بسطوة خرافة ما يسمى بدعاوى الحسبة و أن لا نتماهى مع الجهل بل نسعى لدفعة و التصدي لدهاقنته وسماسرته والتأكيد على أن أي شخص أو شخاص يتحركون بالنيابة عن المجتمع في الدعاوى الجزائية و الترويج لدعاوى الحسبة ماهم إلا خارجون على القانون و متمردون عليه .

(نص التعميم الخاص بالهيئة والصادر من وزير الداخلية)

الرقم 40010

التاريخ:٠٦/١٦/.١٤٨٢

تعميم رقمي سري

صاحب السمو الملكي أمير منطقة

صاحب السمو أمير منطقة

صاحب السمو الملكي مساعدنا للشؤون الأمنية

معالي رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

معالي رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام

معالي رئيس هيئة الرقابة التحقيق

حرصاً على مكانة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسمعة أعضائها وحفاظاً على مبدأ شرعي تأصل في هذه الدولة منذ إنشائها أن يكون عرضه للنيل منه نتيجة أخطاء وتصرفات فردية غير مسؤولة من بعض أعضاء الهيئة أو المندسين بينهم ويدعون التعاون مع الهيئة في أداء مهمتها وحيث لاحظنا في الآونة الأخيرة كثرة تجاوزات أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن بعض هذه التجاوزات أدت إلى نتائج خطيرة وكذلك ازدياد تذمرات الناس من تصرفات الأعضاء وأنهم يقومون بنقل المقبوض عليهم إلى مراكز الهيئة حيث يتم إيقافهم والتحقيق معهم وقد يحصل اعتداء عليهم أو انتزاع اعترافات منهم تخالف الحقيقة بالإكراه أو الأغراء والوعد بالستر وحيث سبق أن أكدنا في عدة تعاميم سابقة على التقيد بما قضى به الأمر السامي رقم 4/ب/2008 وتاريخ 6/2/1402هـ من أن دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينتهي بمجرد القبض على الشخص وتسليمه مباشرة إلى الشرطة غير أن الأعضاء استمروا في نقل المقبوض عليهم إلى مراكز الهيئة والتحقيق معهم (فاصلة) عليه نود التأكيد على جميع الأعضاء بالتقيد التام بما يقضي به الأمر السامي وتسليم من يقبض عليهم إلى المراكز الأمنية المختصة فور القبض عليهم وعدم نقل أي شخص ذكراً كان أو أنثى إلى مراكز الهيئة مهما كانت الظروف وكل عضو من أعضاء الهيئة يقوم بنقل المقبوض عليه إلى مركز الهيئة يتم كف يده عن العمل فوراً ويحال للتحقيق وقد زودنا معالي رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام بنسخة من هذا لمتابعة تنفيذ ذلك والقيام بجولات تفتيشية مفاجئة على مراكز الهيئة للتأكد من عدم وجود أماكن للتوقيف أو مقبوض عليهم يتم التحقيق معهم والرفع لنا بالنتيجة وذلك وفقاً لنص المادة الثالثة أولاً الفقرة (و) من نظام هيئة التحقيق والادعاء العام والمادة الخامسة والعشرين من نظام الإجراءات الجزائية وعلى الجميع وفي مقدمتهم الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بذل أقصى الجهود للتأكد من التزام أعضاء الهيئة بالتعليمات في جميع أعمالهم.

ولكم تحياتنا

نايف بن عبدالعزيز

وزير الداخلية

غالباً ما يسبق توقيع العقد مع المحامي جلسات معه والتي من خلالها يشرح لك التكييف القانوني لقضيتك و الطرق التي سوف يسلكها في إدارة قضيتك ، إلا ان المشكلة أن كل تلك الاحاديث تكون حبيسة مكتب المحامي مع أنها بالغة الاهمية بالنسبة لصاحب القضية ؛ لأنه على اساسها سوف يقرر أن يصدر وكالة للمحامي أو أن يبحث عن غيره ؛ لذا احرص أن تطلب استشارة قانونية مكتوبة من المحامي نفسه يبين فيها الرأي القانوني والشرعي لقضيتك لأن البعض يملتك قدرة خرافية في استخدام المصطلحات الكبيرة التي تنوم العميل تنويماً مغناطيسياً مع انها ليست بالضرورة أن يكون لهاعلاقة بالقانون ؛ لذا احرص ان يكون رؤية المحامي لقضيتك مكتوبة لأنه لو كان من فئة المهايطين فإنه لن يستطيع أن يمارس الهياط على الورق ، فالقاعدة السرمدية تقول  : ( ليس كل ما يقال في الغرف المغلقة يمكن كتابته على الورق ) .

كثير من الناس لا يهتم بتفاصيل الوكالة الشرعية التي يعطيها للمحامي أو الوكيل الشرعي مع أنه ممكن أن تسبب كوارث على الشخص في المحكمة ، لأنه ببساطة يستطيع أن يستغلها بشكل سيء إذا كان من فئة ( اللصوص ) لذا من المهم الانتبهاه لبعض الصلاحيات الخطرة مثل (حق الصلح ) و ( الحق في قبول الحكم) و(الحق في التنازل) فينصح الا تمنح للمحامي أو للوكيل ؛ لأنها ممكن أن تكون مدخلاً للمرتزقة أن يبيع موكله ويضيع حقوقه .

كما ينصح بأن تحدد القضية المراد الترافع فيها في نص الوكالة بشكل مفصل وأن لا تكون وكالة مطلقة ، و تذكر دائماً أن الثقة بالناس شعور جميل لكن ليس في كل الأوقات يكون التصرف السليم .

عندما تضطر لتوكيل محام غالباً ما ستسمع كلاماً منه عن قضيتك وعن سهولتها ، وستسمع (بعضهم)  يتحدث عن قدراته الخرافية في حل مثل تلك القضايا ، وقد يصل البعض منهم من أن يزعم من أنه خلُق من أجل مثل تلك القضايا ، أو قد يوهمك بأنه يعرف مجموعة من القضاة ؛ وانه بالامس كان (معزوماً ) عن ابوفلان القاضي بالمحكمة الكبرى ، ويحكي لك قصة طريفة حكاها صديقة قاضي التمييز (ابو علان)  أثناء حضورهم في الحفل (الخاص) بمناسبة الزواج (الثالث ) لرئيس المحكمة الجزئية في جده ، لذا لا تحركك العاطفة ، ولا تعتمد على (الشفهيات) واحرص أن تكون تعاملك مع المحامي من خلال عقد مكتوب ، يحدد الواجبات على كل الطرفين ، واحرص أن تلزمه بتقرير شهري يبين لك سير قضيتك ؛ لأن البعض من المحامين بمجرد استلامه الدفعة المقدمة يختفي بقدرة العزيز الحكيم  وكما يقول المثل الصومالي القديم ( فص ملح وداب ) ، لذا احرص على ذلك الشرط وأكده بأنه متى ما اخل به الطرف الأول ( الي هو المحامي ) فإنه يعد مفرط وبالتالي لك الحق بمطالبته بإعادة الدفعة المقدمة وكل ما يترتب على ذلك من أضرار  .

طوال السنوات الماضية حاول النشطاء الدينيين في السعودية اختراق المنظومة القانونية التي تمنع أي شخص من تحريك الدعوى العامة وهي ما تسمى بدعوى الحسبة ، حيث أن القانون السعودي لا يسمح لأي شخص بأن يتولى قضايا الحق العام ؛ وإنما تقوم الجهة المختصة بمباشرة الدعوى العامة ضد أي شخص يتهم بأنه مارس مخالفة قانونية لها صفة العمومية وهو ما نص عليه نظام الإجراءات الجزائية الذي خول هيئة التحقيق والادعاء العام ممارسة تلك الوظيفة وتمثيل المجتمع والدولة أمام القضاء .

ومع بساطة تلك المسلمة القانونية إلا أن المهووسين بالحسبة وملاحقة خلق الله لم يتوقفوا عند النص الصريح بل أعلنوا التمرد عليه انطلاقاً لتمردهم التاريخي على التنظيم القانوني في السعودية و معارضتهم له منذ عقود ؛ الامر الذي ساهم بشكل أساسي بتخلفنا قانونياً وغياب تشريعات أساسية عن البُنية التشريعية في السعودية والتي يأتي في مقدمتها غياب قانون جزائي ينهي الكوميديا السوداء التي تمارسها المحاكم الشرعية فيما يتعلق بالعقوبات الجنائية .

حاول النشطاء الدينيين أختراق المنظومة القانونية من أجل الوصول إلى ساحات القضاء والذي يوجد على سدته مجموعة من المتعاطفين مع قضاياهم والذين يمكن لهم – في ظل غياب تشريع مقنن للعقوبات – أن ينكلوا بمخالفيهم ، وكانت تلك المحاولات تبدأ بزوبعة إعلامية منظمة ، والاعلان عن تحرك مئات من المتعاطفين إلى القضاء من أجل تحريك دعوى حسبة على مخالفيهم أو ضد أشخاص (أخطأوا ) عندما مارسوا حرية التعبير .

وهناك شواهد عديدة على تلك الغارات الحسبوية المنظمة ؛ فالجميع يتذكر الحملة ضد مسلسل طاش ما طاش والتي تبناها المحامي فراج العقلاء وأعلان وبشكل صريح دعوته للمحتسبين لإصدار وكالات شرعية من أجل التحرك قضائيا ضد الممثلين في طاش ما طاش ومؤسستهم الاعلامية وقامت الصحافة يومها بتغطية ذلك الضجيج وتلك الزوبعة الحسبوية وتم بالفعل إصدار الوكالات الشرعية للمحامي ،إلا أنها فشلت ولم يستطع (الهياط) القانوني أن ينجح في اختراق القانون ، وكان كل ذلك يجري على مرأى ومسمع من وزارة العدل التي لم تحرك ساكناً تجاه مخالفة جسيمة للانظمة القانونية في البلد من قبل شخص محسوب على حراسة القانون ، لأن الوزارة كانت منشغلة يومها بحكايات أخرى ، وملاحقة أناس أخرين .

جاءت المحاولة الثانية بعد أن شاعت رواية ( بنات الرياض ) ورفع مجموعة من الاشخاص دعوى قضائية ضد وزارة الاعلام في ديوان المظالم مطالبين الوزارة بمنع الرواية وسحبها من الأسواق ، لكن تلك الدعوى رُفضت من قبل الدائرة التي نظرت القضية لنعدام (المصلحة و الصفة ) بمعنى أن من رفعها لا يملك صفة شرعية تعطية الحق لأن يمثل المجتمع أو يتصدى لتحريك الدعوى العمومية ، وهو ذات المبدأ الذي تحدثنا عنه في بداية التدوينة ، إلا أن الحكم للاسف لم يأخذ حقه من التسليط الإعلامي مع أنه من الأحكام المهمة في ديوان المظالم والذي يؤصل مبدأ قضائي راسخ في الأنظمة القضائية الحديثة .

بعد النجاح الجزئي الذي حققوه في قضية مازن عبدالجواد جاءتهم صفعات أخرى في قضية روزانا اليامي والزميل يحي الامير مع أن التكييف الذي قدمته وزارة العدل في القضيتين لم يكن متكاملاٍ ؛ فالاشكالية الأساسية في مثل هذا القضايا ليس في الاختصاص القضائي ما بين وزارة الاعلام والممحاكم الشرعية وإنما لا بد من التأكيد على أن القضية التي فيها حق عام لا يجوز لأحد أن يتولى مباشرتها من تلقاء نفسه لأن في ذلك تمرد على المؤسسات القانونية في البلد ، و ينقل الصراعات الفكرية الطبيعية من فضاء الاعلام – الحاضن الطبيعي – إلى ساحات المحاكم .

ومع تلك الصدمات المتوالية إلا ذلك التيار المصاب بفوبيا الحرية لا يزال ينشط في هذا الاتجاه ويأمل أن ينجح في اختراق الجدار القانوني ؛ فقد برزت زوبعتين أعلاميتين الأولى تتمثل في قضية رفعها يوسف الاحمد ضد وزارة التربية والتعليم والأخر رفعها فلول من المحتسبين على شباب عبروا عن أرائهم في برنامج تلفزيوني أمريكي مما عده أولئك المحتسبه بأنه خروج على الشريعة وعلى تقاليد المجتمع إلى أخر تلك المبررات الخنفشارية المعلبة .

فيما يتعلق بقضية يوسف الأحمد فالسؤال المنطقي البسيط بناءً على ما سبق هو : بأي صفة يحرك دعوى ضد قرار عمومي مع أن نظام ديوان المظالم واضح وصريح في وجوب توافر شرط الصفة والمصلحة في الدعوى مع أنه - على حد زعمه - قام على طلب المشورة من محامين ، وتلك القاعدة القضائية مستقرة وثابته في أحكام الديوان ؛ أنه لا يمكن أن تقبل دعوى مالم يتوافر شرط الصفة والمصلحة فيه بمعني أن يكون القرار الذي يطالب المدعي بإلغاءه قرار صدر من دائرة حكومية ضد المدعي وأثر على مركزه القانوني ؟

على بداهة التساؤل إلا أن الناطق بأسم وزارة التربية والتعليم وفي تصريحات صحفية رداً على الدعوى أعطى للدعوى شرعية قانونية من خلال الدفاع عن موقف الوزارة بأنها لا تنوي دمج الصفوف الأولية فهو يدخل في دفاع موضوعي مما يعني أنه معترف بشرعية الدعوى من الأساس وكان من المفترض أن يكون الرد من الإدارة القانونية لأن الدعوى لها أبعاد قانونية وليست إدارية ، ولعله يدل على نجاح بعض الاهداف التي يريدها مقدموا تلك العرائض القضائية وهي التخويف والتهويل على قاعدة المثل البيزنطي القديم ( العيار الي ما يصيب ؛ يدوش) .

في التدوينة القادمة :

الدعوى القضائية ضد الشباب الذين صرحوا لبرنامج أمريكي

لماذا غير التيار الديني استراتيجيته المعارضة وبدأ يتعاطى مع المؤسسات القانونية ؟

أتعجب أحيانا من هذا الاستبسال من فئة من خلق الله ، في البحث عن المبررات الدينية أو القانونية من أجل خلق حصانة لها ضد النقد ، فبعد أن أعجزتها الحجج الدينية من أن تعصمهم من النقد ، بدأت تلك الفئة تستصرخ النصوص القانونية والمبادئ القضائية ، والتي غالبية تلك الفئة لا تؤمن بجذورها وأبعادها القانونية حيث ظلت ردحاً من الزمان تعارضها منذ دخول التقنين إلى السعودية في حكاية لم تكتب بعد .

لقد أعاد معالي الشيخ صالح الحصين الجدلية التي لا تكاد تهدأ حتى تعاد جذعة من جديد حول العلاقة بين المؤسسة القضائية والإعلام ، حيث طالب معاليه بشكل صريح بلجم الإعلام وكُتابة عن تناول المسائل المتعلقة بالقضاء ، متترساً هذه المرة بمبدأ (استقلال القضاء) على فرضية أن تناول صحيفة لحكم قضائي إنما هو عدوان على ذلك المبدأ ، والأمر نفسه فصله زميلنا في هذه الجريدة (الإعلامي) عبدالعزيز قاسم الذي نافح عن تلك الفكرة ضد مهنته التي يفترض أن ينحاز لها ويدافع عن استقلالها هي الأخرى من وصاية الآخرين ، وأن لا يسمح لمن هم خارج المهنة أن يلقنوه أصولها و كيف يدير مهنته ، لكن الزميل آل على نفسه إلا أن يكون وعظا قانونيا لزملائه وذكرهم بنظام القضاء الصادر عام ١٩٩٥ الذي تم إلغاءه عام ١٤٢٨، لكن يبدو بأن الزميل وقت إلغاء ذلك القانون كان منشغلاً بمكاشفاته ولم يسمع بالتنظيم القضائي الجديد رغم الضجة الإعلامية التي صاحبته .

اتكأ زميلنا العزيز ومن نقله عنه على مبدأ استقلال القضاء دون أن يبين مفهوم ذلك المبدأ وكيف مارسته الشعوب التي أوجدته ورسخته في دساتيرها وفي الصكوك الدولية ومارسته في مؤسساتها القضائية ، فمبدأ استقلال القضاء مبدأ طاريء على ثقافتنا وموروثنا الثقافي وقد قمنا باستنباته في وثائقنا القانونية دون أن يكون له أصول عملية في تاريخنا وبالتالي يفترض أن ننظر كيف طبقت الدول والأمم المتمدنة هذا المبدأ ، وهل ألجم ذلك المبدأ الإعلاميين عن تناول المسائل القضائية وحضور المحاكمات وكتابة التقارير الصحفية عن المحاكمات الشهيرة المثيرة لشهية الإعلاميين ؟ ولا أعتقد بأن الأخ عبدالعزيز وصل حداً من الجرأة بأن يلقن أولئك الشعوب مفاهيم استقلال القضاء وهم الذين يمارسونه منذ أن كنا نحرم (التلكس) ونعتقد أنها رجس من عمل الشيطان .

لم يحصل في تلك المجتمعات المتقدمة أي تصادم بين (استقلال القضاء) و (حرية الإعلام) لأن المفاهيم لكلا المبدأين كانتا واضحة المعالم ولا يمكن أن تعدو أحدهما على الأخرى ، لذا نجد إن الاتفاقيات الدولية بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص بشكل صريح على (علانية المحاكمات ) وعدها معياراً مهماً وأساسياً من معايير المحاكمة العادلة والأمر نفسه نجده في بنيتنا التشريعية المحلية ،  فنظام الإجراءات نص وبشكل واضح بأن الأصل أن تكون المحاكمات علنية وأن الاستثناء السرية ، ونص كذلك على أن جلسة النطق بالحكم لابد أن تكون علنية بحيث لا يجوز للقاضي أن يجعلها سرية ، ومن هنا يمكن أن ندرك القيمة التي خلف تلك النصوص القانونية؛  فهي ليست نصوصاً صامتة وإنما يكمن خلفها قيمة حقوقية وقانونية ارتأ المشرع ترسيخها من خلل النص ، فكيف نتحدث عن عدم جواز تناول الأحكام القضائية وهي بالأساس أحكاماً علنية بمعنى أنه يحق لأي شخص أن يلج المحكمة ويحضر المحاكمة بما فيهم رجال الإعلام،  وعليه فإن الإحكام والحالة هذا لا يمكن منع من حضرها أن يكتب أو يتحدث أو ينتقدها لأن هذا هو المغزى والقيمة من وراء جعل المحاكمات علنية وهو ( الرقابة الشعبية على القضاء) وهو مافهمته الأنظمة القضائية في كل دول العالم والتي لم تعاني من ثنائية استقلال القضاء ورقابة الاعلام عليه ، فأبواب المحاكم مشرعة ، والجميع تابع المحاكمات الدولية وكيف أنها تبث حية على الهواء لا لشيء إلا لمجرد ترسيخ مبدأ (الرقابة الشعبية على القضاء) فمن حق الناس أن تطمئن بأن عجلة العدالة تدور بالشكل الصحيح ، ولا يمكن مصادرة هذا الحق تحت أي لافتة ، فالقاضي عندما يصدر حكماً قضائيا بجلد عجوز أو إقرار نكاح طفلة – على سبيل المثال – فإنه يفترض أن يكون قادراً على الدفاع عن حكمه ، ومن حق الناس في والوقت ذاته أن تسأل عن حيثيات وأسانيد ذلك الحكم ، وفي حالة عدم قدرته على التبرير فلا يعني هذا الدعوة إلى تكميم الأفواه .

كما أن استقلال القضاء لا يتوقف فقط عند حد استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية وإنما يعني أيضاً استقلال القضاة عن (الأيدلوجيا) بأن يحافظ القاضي على حياديته وألا ينحاز إلى أحد الفرقاء في الصراعات الفكرية ، لأن استقلاله يفرض عليه أن يكون (محايداً) رائده العدالة المقدسة ولا غير.

هناك قاعدة بسيطة جداً مفادها ؛ إن الشخص الذي يخشى من الإعلام هو من لديه (شيء) يخفيه ، لذا يفترض ألا يسمح له بأن يستتر ليمارس ذلك (الشيء) بعيداً عن السلطة الرابعة ، وأن كل الصيحات التي تدعو إلى الحصانة من الإعلام ماهي إلا مظاهر من مظاهر الصراع بين الأمس واليوم ، بين مشروع حالم وبين من يريد أن يعود بنا إلى (زمانات) طويت ، ومن سوء حظهم أن العجلة لا يمكن لها أن ترجع إلى الخلف .

عندما قدمتُ مع زوجتي وأطفالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، تأخرت في تسجيل أولادي (خالد وحصه) في المدرسة الحكومية في الحي الذي أقيم فيه ، حيث وصلتُ متأخراً بعد أن بدأت الدراسة في المعهد الذي أدرس فيه ، وانشغلت لمدة ثلاثة أيام في اللحاق بالمحاضرات واستكمال إجراءات التسجيل ، في تلك الأثناء كان الأولاد يستكشفون المكان من حولهم ، ويخرجون إلى البحيرة التي كانت قرب المجمع السكني ، ويلعبون في حديقة المجمع ،ويتعرفون على عالمهم الجديد ، وبعد ثلاثة أيام وجدت ورقة معلقة على باب شقتي يخبرني موظفو الإدارة في المجمع بأن عليَّ المثول للمكتب في يومه وساعته ، وعندما ذهبت إلى المكتب وقابلت أحد المسئولات هناك قالت : أنهم شاهدوا طفلين خارج الشقة يلعبون في الحديقة في وقت الدراسة لمدة ثلاث أيام بلياليهن واكتشفنا بأنهما أطفالك ، فهل قمت بتسجيلهما في أحد المدارس ؟ حاولت أن أشرح لها الظروف بشيء من (التمسكن )و(اللواقة) المنهي عنها شرعاً ، محاولاً تحريك (عصاي) في إلماحة خبيثة إلى إعاقتي لعلها تشفع لي في تخفيف حدة نظراتها الصارمة ، لكنها قالت بشكل حازم : أن القانون في الولايات المتحدة الأمريكية يُجرم حرمان الطفل من التعليم ، وأن من واجباتك القانونية – مادمت قد وطأت هذه الأرض المباركة – أن تلحقهما في أحد المدارس ، وأن عقد الإيجار (الذي كان مكون فقط من خمسين ورقة ، لشقة مساحتها مائة وعشرين متراً مربعاً ) يلزمك بالالتزام بقانون الولاية والقوانين الفدرالية ، ولنا الحق بالتبليغ عن أي تجاوزات في هذا الإطار ، وقالت كلام (كبير جداً ) لاحت أمامي أبواب الترحيل وأنا اسمعه ، مع أني لم أفهم معظمه ، وبعد أن وقعت على ورقة بتبليغي بذلك أخبرتني بأنه يجب علي إحضار ما يثب إلحاقهما بالمدارس.

وفي ذات السياق ، وفي يوم من الأيام ، كنت ألقي ورقة في مؤتمر حول حقوق الطفل ، نظمته أحد الجمعيات المحلية المهتمة بالمرأة والطفل في الحرس الوطني بالرياض ، وكنت أتحدث يومها عن الجوانب القانونية والقضائية المتعلقة بحقوق الطفل في التشريعات السعودية وتطبيقاتها القضائية ، وجاء الحديث حول السماح للأطفال بالمشاركة في سباق الهجن وأن هذا يخالف المبادئ القانونية المتعلقة بحماية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية بهذا الشأن التي أنظمت لها المملكة ، وفجأة تداخل أحد الحضور بكل عفوية ، وكان ذا رتبة عالية في أحد القطاعات العسكرية قائلاً : ( إن أولئك الأطفال هم من يسجلون أنفسهم في تلك السباقات من أجل “وايت ماء” ومبالغ نقدية تصرف لهم في نهاية السباق تعين عوائلهم على نوائب الدهر) بمعنى أنهم هم الذين يصرون ويرغبون في انتهاك حقوقهم كأطفال ، وإباءهم راضين عن ذلك ، والمثل القديم يقول ( يا داخل بين البصلة وقشرتها… ) إلى أخر المثل ، طبعاً على كلام الأخ الكريم فإن الطفل إذا قرر أن يترك الدراسة ، أو يبيع المناديل والماء في التقاطعات فهو أمر راجع له ولوالديه ، ويفترض أن نقف كمجتمع  ودولة محايدين دون أي حركة إيجابية .

تستطيع أن تسقط ما سبق على ما حدث في حكاية ( فتاة بريدة ) حيث خرجت الأم تصرخ وتستصرخ المجتمع والدولة من أجل إنقاذ طفلتها من براثن وحش ثمانيني مهووس يريد أن يختم عمره بنكاح طفلة بسن حفيداته ، مادام أنه يملك المكنة المالية لأن يشتري ما يشاء بما  فيهم البشر ، وبعد أن تعاطف الناس مع القصة ، تفاجأ الناس بأن تلك المستغيثة تقرر بأنها تنازلت عن قضيتها وقضية طفلتها ، وقررت في ليلة غاب فيها الضمير أن تكون شريكة في جريمة كانت تشجبها بالأمس القريب ، وكان الفصل الأخير من الحكاية أن الطفلة اقتنعت أخيراً بأن من (العقوق) المنهي عنه شرعاً أن ترفض طلب والدها بأن يزفها إلى ذلك الهرم بثمن بخس دراهم معدودة ، وكان المُشرعن لذلك كله ممثل العدل والعدالة ، ليحكم بإقرار ذلك العقد ويباركه ، طبعاً بعد أن اطمأن على أن (الزوجة الطفلة)  قد أصابها الطمث !!.

تلك الحكاية التي أعتبرها من أقسى المأسي الحقوقية التي مرت على المملكة ، تختزل لنا الكثير من اعوجاجنا الثقافي والفكري ، حيث جعلنا عقد الزواج بين طرفين لا ثالث لهما ؛ أولهما الزوج وثانيهما الولي ، أما الزوجة فهي لا تعدو أن تكون سوى ( معقود عليها ) كما ينص عليه الفقهاء ، فكما أن المعقود عليه في عقد البيع ( العَيْن “يعني بيت أو سيارة أو نحو ذلك”  ) وفي عقد الإجارة (المنفعة) فإن المعقود عليه في عقد النكاح هي الزوجة  ، وعليه فإنهم أجازوا فسخ النكاح بطلب من ( الولي) إذا ما ادعى عدم الكفاءة بالنسب مع الزوج ، و أعطوه الحق  أيضاً في أن يقرر تزويج طفلته دون أن يكون لأحد الحق في الاعتراض بما فيهم (الزوجة ) لأنها أصلا خارج الموضوع برمته ، لذا نجدهم يأخذوا بالقبول الصادر من تلك الطفلة في حكاية طفلة بريدة مع أنها لا تملك (الأهلية الشرعية ) لإمضاء العقود ، والسبب – وكما أسلفت – لأنها ليست طرفاً أصيلاً في العقد وإنما هي أشبه بالمنفعة المعقود عليها في عقد الإيجار وبالتالي لا أهمية لرأيها لأن (الإيجاب والقبول ) إنما يصدر من الزوج وولي المرأة فما داما يملكان الأهلية الشرعية فإن العقد والحالة هذه ينعقد ولو كان قبول الزوجة معتبر عند القوم لحكم القاضي ببطلان العقد لأن قبول الطفلة غير معتبر شرعاً كما سبق ، وتلك الحالة أقل ما يمكن أن توصف بأنها خروج(سافر) عن مقاصد الشريعة في إقرار قواعد وأحكام النكاح ، وما لم نعيد المعادلة إلى وضعها الصحيح ، بحيث تكون الزوجة هي صاحبة القرار في زواجها وطلاقها ، وأن لا تكون مجرد (معقود عليها) فإن المشاكل من ذلك النوع ستتفاقم ، لأننا نكرس وضعاً معوجاً لا يمكن إصلاحه من خلال مهدئات ومسكنات لا تنفذ إلى جذر المشكلة لتجتثها من أصولها .

وبالعودة إلى طفلة بريدة وحكايتها الدامية فإنه كان يفترض على الأجهزة الحكومية التدخل بحكم سلطتها ومسئوليتها في تطبيق نصوص تلك الاتفاقية الدولية التي تعد بعد التوقيع عليها جزءً من نسيجنا التشريعي ، حتى ولو تنازلت أو أقنعت تلك الطفلة بالتنازل عن حق أساسي من حقوقها  ، لأن النصوص الحمائية الواردة في القانون ( الاتفاقية ) هي من النظام العام ، وبالتالي فلا يجوز التنازل عن الحقوق الأساسية الواردة في القانون، وأن أي تنازل من هذا النوع يعد مخالفاً للقانون ولا يمكن أن ينتج أية آثار قانونية ، ولا يعفي من الجرائم المتعلقة به ، فلو افترضنا – جدلاً – أن متهماً قَبل بالتعذيب بحجة (التطهير من الذنب ) أو لأي سبب أخر، فإن هذا لا يعني تطبيق طلبه والشروع في تعذيبه بحجة تنازله عن حقه في سلامة جسده ، كما أنه لا يعني إفلات المتورطين بتلك الجريمة (التعذيب) من العقاب ، والأمر نفسه في (الحق في المساواة ) فلو افترضنا أن شخصاً تنازل عن حقه في المساواة ، واقتنع بأن ذلك الحق ما هو إلا بضاعة غربية وأن الناس يتفاوتون نسباً وحسباً ، وأنه يقرر بأن ديته ستكون نصف دية الحر ، فإن ذلك التنازل لا يمكن قبوله قانونياً ولا يمكن للأجهزة الحكومية أن تقبل ذلك التنازل وتمارس معه التمييز وتعمل له (داون قريد ) لأن الأمر يتعلق بقاعدة قانونية تعد (من النظام العام ) التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها بأي حال من الأحوال ، وأن هناك اتفاقية دولية ؛ هي (اتفاقية مناهضة التمييز العنصري) تحكم الموضوع ولا يجوز الخروج عن أحكامها بأي حال من الأحوال ، وعلى ما سبق فقس .

تجاوزت الألف ومائة كلمة … مع أني قد عاهدت نفسي على عدم التطويل فيما ينشر في المدونة لكن الموضوع طويل وذو شجون ، ولعلي أكمل في تدوينة قادمة .

لقد تلقينا بالغبطة والفرح نبأ إصدار المحكمة العليا بنقض الحكم الصادر بالتفريق بين (فاطمة ومنصور) في القضية المعروفة بقضية (الكفاءة بالنسب ) والتي كان لنا الشرف الترافع فيها والتي استمرت دائرة بين عدة جهات قضائية وحقوقية لمدة أربع سنوات ، ووجدت أخيراً طريقها للحل العادل الذي سيجمع شتات تلك الأسرة المكلومة .

وقد حرصنا طوال إدارتنا للقضية على التركيز على مخالفة الحكم لأبسط القواعد الشرعية ، إضافة إلى مخالفته الصريحة للاتفاقيات الدولية ، وعلى وجه الخصوص اتفاقية مناهضة التمييز العنصري التي وقعت عليها المملكة العربية السعودية ، وكنا حريصين تسليط الضوء من خلال المساجلات الإعلامية التي رافقت القضية منذ بدايتها على ملف العنصرية والتمييز الذي فتحه الحكم المذكور وأن ذلك يتصادم وأبسط قيم حقوق الإنسان التي تنبذ التفرقة والتمييز أياً كان سببه .

وإننا إذ نشيد بقرار المحكمة العليا لنأمل بأن يكون حكمها بداية جادة للتصحيح المؤسسي في مسيرة العدالة في المملكة ، وخلق قواعد قضائية صارمة تكفل بتصحيح التجاوزات من داخل المنظومة القضائية من أجل ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والالتزام بها في المحاكم ، كما نؤكد على دور الإعلام الحيوي في تقييم العمل العدلي وتقويمه من خلال تناول مثل تلك القضايا التي لها علاقة بمبادئ حقوقية وقيم عدلية راسخة، حيث كان الإعلام شريكاً في إيصال أصوات المنكوبين إلى صناع القرار والرأي العام ، والأمر نفسه للإعلام الجديد وأصواته الحرة في المدونات والمنتديات الحرة التي كانت علامة بارزة خلال الفترة الماضية في مسيرة العمل الحقوقي في المملكة العربية السعودية .

ولا يفوتنا في هذا الصدد تقديم الشكر لكل من وقف مع القضية ودعمها طوال مراحلها المتعددة ، ولا يفوتني أن أشكر الناشطة الحقوقية الأستاذة فوزية العيوني التي رافقت مسيرة هذه القضية منذ بدايتها ولازالت تحملها ، وقدمت الكثير في سبيل الدفاع عن تلك القضية العادلة ، كما أتقدم بالشكر الجزيل للصحفية ابتهال مبارك التي تابعت القضية صحفياَ ، وكانت أول من اخترق جدران العتمة وأجرت لقاء صحفي مع فاطمة من سجنها ، وتابعت القضية خلال تقارير صحفية متعددة .

نتمنى لتلك الأسرة حياة هانئة ، وأن يتمكن أطفالهم من تجاوز كل عوالق تلك المرحلة المظلمة ، وأن يستأنفوا حياتهم من جديد بعيداً عن وصاية الآخرين .

عبدالرحمن اللاحم

الولايات المتحدة الأمريكية

سياتل

في أحد الأيام القت السلطات الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية على أحد المقيمين المكسيكيين وكان بحوزته كمية لابأس بها من الهروين ، وتم ايداعه السجن ومن ثم تقدم الادعاء ضده بدعوى جنائية جراء حيازته تلك الكمية من المخدرات ، وقدم إلى المحاكمة الجنائية ، وبما أن ذلك المكسيكي غير قادر على دفع أتعاب محام يتولى الترافع عنه أمام المحكمة فقد تطوع محام مغمور للدفاع و الترافع عنه مجاناً ، وبعد عدة مداولات وجلسات مطولة مع موكله دفع المحامي بأن هناك خللاً في إجراءات القبض على موكله ؛ حيث أن رجال الشرطة قد قرأوا عليه حقوقه باللغة الانجليزية وموكله لا يجيد التحدث باللغة الانجليزية ، والقانون يوجد إبلاغ المتهم بحقوقه فور القبض عليه بلغة يفهمها ، وبعد استدعاءات ومداولات وإقرار رجال الشرطة الذين تولوا القبض عليه بأنهم تلوا عليه حقوقه باللغة الانجليزية فقط ، عندها حكمت المحكمة ببطلان إجراءات القبض وبراءة المتهم من الدعوى المنسوبة إليه .

تلك القصة تختصر كل ما يمكن أن يقال حول مركزية قانون الاجراءات الجزائية (الجنائية) في بنية حقوق الانسان وكيف أنه يعد السياج القانون لحماية حقوق وكرامة الانسان من أن يعدو عليها رجل الضبط أو ان تصادرها السلطة .

وقد سبق وأن طرحت في عدة مناسبات أهمية المراجعة الدقيقة لنظام الاجراءات الجزائية حيث أنه يعاني من خلل في الصياغة أدى إلى ضمورالمضامين الحقوقية بشكل فوت المصلحة من سنها وتشريعها وبما أن النظام يخضع حالياً للمراجعة من قبل مجلس الشورى ، فإننا نعيد تكرار بعض الأفكار الأساسية التي نعتقد أنها بحاجة إلى تعديل ، ويأتي على رأسها ضرورة تعديل أحكام البطلان بحيث ينص بشكل واضح وصريح بأنه (لا يعتد بالدليل إذا كان وليد إجراءات باطلة) لأن النظام بصورته الحالية لم يصرح بشكل واضح ببطلان الاجراء وبالتالي بطلان القضية التي كانت وليدة ذلك الاجراء الباطل ، بل أعطى سلطة تقديرية للقاضي للتقرير والتفريق بين الاجراء الجوهري وغير الجوهري ، مع أعتقادنا بأن كل الاجراءات الواردة بالنظام تعد من قبيل الاجراءات الجوهرية ؛ لأن خلفها يكمن حق قصد المشرع من وراءه حماية حق من حقوق المتهم وبالتالي فلابد من أجل إعادة الهيبة للنظام أن ينص على أنه لا يعتد بالدليل متى ما كان وليداً لأي إجراء باطل والقول بغير هذا إنما يفرغ النظام من هدفه والمقصد من تشريعة ؛ فما الفائدة من النص على حق المتهم بأن لا يلج إلى بيته أحد بقصد التفتيش دون مذگرة صادرة من الجهة المسؤولة مادام أن المتهم لا يمكن أن يدفع ببطلان إجراءات التفتيش أمام المحكمة ؟ وما الفائدة من النص على حقوق المتهم في التحقيق والمحاكمة ما دام أنه متى ما خالفها رجل الضبط فإنه سوف يعتد بها في المحاكمة ؟ .

إنما تكمن أهمية النظام عندما يرفض القضاء أي دليل خالف حكماً من أحكام النظام كما بينا في القصة السابقة ، ويرفض نظر أي قضية شابها خلل إجرائي حتى يعاد تشكيل الدورة الجنائية بشكل سليم بما يتوافق وروح القانون ومقاصده ، ولعل البعض يطرح بأن تطبيق قاعدة البطلان بهذه الصرامة قد يساعد المجرم من الافلات بجرمة والانعتاق من العدالة ، إلا أن ذلك التساؤل المشروع يمكن الاجابة عليه بأن التطبيق الصارم للنظام سيدفع رجل الضبط إلى الالتزام الصارم بالنظام لأنه يعلم بأن المتهم سيخرج من القضية متى ما فرط في ضبط الاجراءات كما جاءت في النظام، فهو يحكم قبضته عليه بالقانون ومتى ما فرط رجل الضبط فالمسئولية تقع على عاتقه وعاتق من أوكله تلك المهمة دون تدريب أو تأهيل ، ويكون مثله مثل من يشرع أبواب السجن ويترك السجين يهرب أمام عينيه دون أن يعمل على أحكام مغاليق زنزانته ، فكل النظريات الحديثة إنما تنحاز للفرد وحقوقه لأنه الأساس المكون للمجتمع الذي من أجل امنه شرعت العقوبات وشرعت الأنظمة .

النقطة الثانية التي أعتقد أنها حرية بالمراجعة هي قاعدة ( افتراض البراءة ) حيث أن تلك القاعدة تعتبر حجر الأساس في المحاكمة الجنائية فقرينة البراءة هي العلامة الفارقة بين الأنظمة الحديثة والانظمة الجنائية التقليدية لذا نجد أن العديد من الدول تتجاوز إدراجها في قوانينها التي تنظم الاجراءات الجنائية إلى أن تنص عليها في دساتيرها لأنها تمثل الشرعية الجنائية بكل تجلياتها وللاسف فإن نظام الاجراءات الجزائية لم يدرج تلك القاعدة كمادة مستقلة في النظام مع أنها قاعدة مستقرة في الشريعة الاسلامية حيث تنص القاعدة الأصولية على (أن الاصل براءة الذمة) وليت الأمر توقف عند هذا بل إن المادة الرابعة والثلاثون تنص على أنه : (يجب على رجل الضبط الجنائي أن يسمع فوراً أقوال المتهم المقبوض عليه، وإذا لم يأت بما يبرئه يرسله خلال أربع وعشرين ساعة مع المحضر إلى المحقق الذي يجب عليه أن يستجوب المتهم المقبوض عليه خلال أربع وعشرين ساعة، ثم يأمر بإيقافه أو إطلاقه )

فهذه المادة جاءت بما يخالف مبدأ افتراض البراءة وطلبت من المتهم الذي يفترض فيه البراءة أن يتحمل عبءإثبات براءته مع أن المستقر عليه لدى كل الانظمة القضائية بأن عبء الاثبات يقع على الادعاء تماشياً مع قرينة البراءة وتماشياً مع الانظمة الاجرائية الجزائية التي تتعاطى مع المتهم على أنه بريء حتى تثبت إدانته من خلال محاكمة عادلة لذا يطلق على قانون الاجراءات الجنائية (قانون الشرفاء) لأنه ينظم التعامل مع شخص هو أمام القانون لازال شريفاً وبالتالي لابد أن يتعامل معه على هذا الاساس من لحظة القبض عليه إلى محاكمته ولابد أن يكون توقيفه في اضيق الحالات وأن يكون في أماكن منعزلة على المجرمين المحكومين بأحكام قضائية وكل ذلك ماهي إلا أثار لتلك القاعدة التي دائماً ما نكررها لكننا قليل ما ندرك أبعادها الحقوقية وفلسفتها القانونية، وطول عملي في المحاماة وأنا أبحث عن حكم صدر من أحد محاكمنا الشرعية لاإنني لم أعثر عليه حتى أخرجت من المهنة ، وقد قال منتسكيو يوما من الدهر ( بأنه عندما لا تضمن براءة المواطنين فلن يكون للحرية وجود) .

وسيكون هناك تقرير مفصل عن بقية الملاحظات التي أعتقد أنه من المهم إدراجها في النظام بنسخته المعدلة من أجل يتماشى ومعايير المحاكمة العادلة كما يفهمها العالم وسترسل (سراً) إلى رئيس وأعضاء مجلس الشورى أخذاً بفتوى وجوب مناصحة المسؤولين سراً .

« مواضيع سابقة - مواضيع لاحقة »