من طرائفنا الخالدة قصة أخونا في الله أشعب الذي قرر ذات يوم ان يخترع (كذبة) مفادها أن هناك مأدبة سخية في مكان ما من المدينة و بدأ الشيخ أشعب بترويج تلك الكذبة على الناس وكل من سمعها هرول ناحية ذلك المكان الموهوم ليلحق بما طاب من الطعام المجاني فأولئك الناس يصدقون الشيخ أشعب ولا يتصورون أن يكون شيخهم كذابٌ أشرٌ دجالٌ ؛ لأنهم رسموا صورة ملائكية لشيخهم أشعب - قدس الله سره - لا يمكن أن تتقاطع تلك الصورة الوردية مع الدجل و الكذب و التدليس ، وبعد أن صدر الناس زرافات ووحداً صدق الشيخ أشعب تلك الكذبة لأنه كان يعتقد بأن الناس لا يمكن أن تجتمع على ضلاله فلم يسعه إلا ان يطلق ساقيه للريح ليلحق على تلك الوليمة الوهمية ويصدق تلك الكذبة التي نسج خيوطها بنفسه وصدقها السذج من البشر .
لا أعلم لما تذكر شيخنا أشعب وانا أقرأ الخبر الذي أوردته جريدة عكاظ هذا اليوم الخميس …. وكتبه صديقنا الفيسبوكي عبدالله الداني وجاء فيه :
“ عبد الله الداني ـ جدة
علمت «عكـاظ» أنه جرى تعديل المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية، والمتضمنة حصر آلية تحريك الدعاوى الاحتسابية من جانب أفراد المجتمع، واقتصار الحق في رفعها على هيئة التحقيق والادعاء العام.
وأوضحت مصادر مطلعة أن المادة الخامسة في النظام المعدل تنص على مراعاة قبول الدعاوى في المصالح العامة، على أن يتقدم بها ثلاثة مواطنين من أعيان المنطقة، بغية ضبط قضايا الاحتساب في المملكة.
وأكدت المصادر أن النظام المعدل حدد آلية جديدة لاستئناف الحكم في مثل هذه القضايا، إذ يتم الترافع في وجود أطراف النزاع، بدلا من التمييز الذي يقتصر على إعادة النظر في أوراق القضية، مشيرة إلى أن قضايا الاحتساب المستأنفة ستحال للمحكمة العليا للفصل فيها، خصوصا وأن النظام المعدل فند الخصوم في القضاء العام على ثلاثة أقسام تتضمن: الأفراد، الجهات الحكومية، والادعاء العام.
http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20100702/Con20100702359319.htm
“
حقيقة الخبر مثير للدهشة لكل من له علاقة بالقانون والاجراءات القضائية ؛ حيث أن الخبر يتماهى مع تدليس يمارسه الُمحتسبة من أجل تمرير غاراتهم المتكررة على المثقفين و أهل الرأي من أجل مصادرة كلمتهم وتكميم أفواههم، و إعادة المكتسبات التي فقدوها في السنوات الماضية ، وذلك كله من خلال ما يسمى بدعاوى الحسبة التي لا وجود لها بالنظام الجزائي السعودي على الاطلاق ، فهم يحاولون شرعنة دعاواهم من خلال المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية الذي لا علاقة له ( البتة) بما يحدث في فضاءنا الثقافي بما اصطلح عليه بدعاوى الحسبة ؛ فتلك الدعاوى هي دعاوى (جزائية ) يحكمها من حيث الموضوع نظام (الاجراءات الجزائية ) الذي يحكم الخصومة الجزائية ، بينما نظام المرافعات الشرعية – الذي تحدث عنه خبر جريدة عكاظ- يحكم الدعوى المدنية ، وهناك فرقٌ شاسعٌ بين الدعوى المدنية والدعوى الجزائية ؛ فالدعوى المدنية هي التي يكون موضوعها (حق مدني) لا جناية فيه مثل ان يقرض شخص أخر مبلغ من المال فـ(يزرفه ) فليجأ إلى القضاء للمطالبة بماله ، أو أن يطالب المؤجر بأجرته من المستأجر المماطل ، أو أن تطالب المرأة بالخلع من زوجها ، أو بالنفقه أو بالحضانة ، وغيرها من المسائل المدنية التي تكون بين الناس بصفتهم المدنية بحيث لا يكون هناك (جناية ) بينما الدعوى الجنائية هي تلك الدعوى التي يكون محلها جناية؛ بحيث يقوم شخص بالاعتداء على شخص في نفسه بالاتلاف مثل القتل او مادون ذلك أو في ماله مثل السرقة ، او غير ذلك فيما فيه جناية على النفس او المال او العرض ، وعند الرجوع إلى دعاوى الحسبة فهي دعاوى جنائية يقوم المحتسب بإحلال نفسه محل السلطة المخولة بتحريك الدعوى العام وهي النيابة العامة التي تمثلها هيئة التحقيق والادعاء العام ويطالب المحتسب بإقاع عقوبة (جزائية) على المحتسب عليه و يقوم بالادعاء على شخص او أشخاص بإيقاع حد من حدود الله أو عقوبة تعزيرية ، وعليه فإن الذي يحكم مثل تلك الدعاوى هو (نظام الاجراءات الجزائية )الذي حدد بالتفصيل آلية رفع الدعوى طريقة إداراتها والجهة المخولة في تحريك مثل تلك الدعاوى أمام القضاء وهي هيئة التحقيق والادعاء العام بناء على نص المادة السادسة عشر من نظام الاجراءات الجزائية والتي تنص على ( تختص هيئة التحقيق والادعاء العام وفقاً لنظامها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها أمام المحاكم المختصة· ) وبالتالي فإن نظام المرافعات الشرعية لا علاقة له بحكايات دعاوى الحسبة لا من قريب ولا من بعيد ، وأن هيئة التحقيق والادعاء العام لا علاقة لها بذلك النظام ؛ فهي تطبق فقط نظامها ونظام الاجراءات الجزائية .
نرجع إلى المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية التي يذكر الخبر بانها ستعدل من اجل وقف سيل دعاوى الحسبة حيث تنص على : ( تقبل الدعوى من ثلاثة على الأقل من المواطنين في كل ما فيه مصلحة عامة إذا لم يكن في البلد جهة رسمية مسؤولة عن تلك المصلحة) و فصلت اللائحة التنفيذية تلك المادة على النحو التالي :
( 5/1 المصلحة العامة هي : ما يتعلق بمنفعة البلد .
5/2 يراعى في قبول الدعوى في المصالح العامة أن يتقدم بها ثلاثة من المواطنين من أعيان البلد .
5/3 إذا كان بلد المحكمة يتبع في اختصاصه بلداً آخر يوجد فيه جهة رسمية لها الاختصاص ، فلا تسمع الدعوى إلا من جهتها .
إذاً هناك شروطاَ لصحة تحريك مثل تلك الدعاوى المدنية؛ فالنظام يتحدث عن (البلد) أي مدينة أو قرية أو هجرة ليس فيه جهة رسمية لهذا الاختصاص فإنه يجوز أن يتحرك ثلاثة من (أعيان) البلد للدفاع عن المصلحة العامة للبلد والتي فسرها بأنها منفعة (البلد ) أي المدينة أو القرية أو الهجرة .
ثم أن المدعين في تلك الدعوى لا يطالبون بحق من حقوق الله، بل هم يدافعون ويطالبون بحق من حقوقهم الشخصية والتي سماها النظام (منفعة ) أي أن لهم مصلحة من وراء تلك الدعوى ، فعلى سبيل المثال لو افترضنا أن الدولة منحت محافظة (الشماسية ) قطعة ارض لإنشاء حديقة أو مدرسة او مرفق حكومي ثم قام شخص أو شركة أو حتى جهة حكومية بالعدوان على تلك الارض ، فإن لأهل تلك المدينة (الجميلة ) أن يدافعوا عن حقهم ويتصدوا للجهة المتعدية أمام الجهات القضائية لأنه والحالة هذه تنعقد لهم الخصومة لأن لهم ( صفة ) ولهم (مصلحة) في الدعوى فهم لا يدافعون عن حق الله ، وبالتالي ليسوا محتسبة بالمفهوم الشرعي للمصطلح بل هم يدافعون عن حقهم المكتسب بناءً على الأنظمة الذي منحتهم ( الصفة ) و ( المصلحة ) وهما الشرطان الأساسيان لقبول الدعوى ، لكن لو قام نفس الأشخاص بتحريك دعوى على شخص بحجة أنه اختلط أو اختلى بأمرأة خلوة - ليست عارضة بالمفهوم النجيمي - أو كتب في صحيفة كلاماً يعتقدون بأنه مخالف للشريعة فإن دعواه والحالة هذه لا تدخل في المادة الخامسة من نظام المرافعات الشرعية لأنها ببساطة دعوى جنائية يحكمها نظام الاجراءات الجزائية الذي يعطي الحق في تحريك مثل تلك الدعوى (حصراً) لهيئة التحقيق والادعاء العام وبالتالي ليس لهك ( مصلحة ) وليس لهم ( صفة ) في تحريكها وأن أي شخص او أشخاص يتطوعون لتحريكها هم يفتئتون على السلطة الشرعية ويتطفلون عليها ، حتى لو قام نفس الاشخاص بتحريك دعاوى مدنية ضد شخص أو شركة أو مصلحة حكومية تعدت على أرض منحتها الدولة لمدينة (بريدة ) على سبيل المثال فإنها تعد دعوى غير مكتسبة الشروط فهي لم تصدر من أعيان البلد ولم تكن دفاعاً عن (منفعة) لهم فلا يعدو تصرفهم سوى تطفل لا قيمة له من الناحية القانونية .
و أنا على يقين أن هيئة الخبراء في مجلس الوزراء وهي المطبخ التشريعي في الدولة على وعي كامل بكل تلك التفاصيل القانونية ولا اعتقد أن مراءات المردة من المحتسبة ستنطلي عليهم ؛ فهم نخبة القانونيين في المملكة وأساتذتنا الذين تعلمنا منهم قيم القانون ومبادئه ، وأن الحل القانوني مع المردة هو التطبيق الصارم لـ(قواعد الحد من آثار الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة) الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 94 و تاريخ 25/4/1406هـ
.
إن أي تعديل يطال نظام المرافعات الشرعية إنما هو إقرار ضمني بخرافة دعاوى الحسبة وفتح المجال لقطعان المحتسبة لإقامة كربلائيات ومناحات على أساس أنهم سُلبوا حقاً مكتسباً وأنهم حققوا نصراً على الأرض مع أن المفترض مواجهتم بالاليات القانونية ومن خلال المبادئ القانونية القضائية المستقرة في كل الأنظمة القضائية في المعمورة بأنه لا يمكن لشخص أن يمثل المجتمع و أن يتحرك بالنيابة عنه مهما بلغت منزلته مالم يمنحه القانون تلك الصلاحية و أن حرية التعبير حق مكتسب لا يمكن المساومة عليه بأي حال من الأحوال .
ولا ريب بأننا نعيش مرحلة تحول نحو ترسيخ المبادئ القانونية في المجتمع ، والقضاء على دعاوى الدجل التي أحكمت قبضتها علينا طول العقود الماضية ؛ لذا فإن من مهمة القانونيين المستقلين الوقوف بكل ما تمليه عليهم مبادئهم أمام مد الدجل والتجهيل الذي يمارسه بعض المردة من أجل إحكام سيطرتهم على حراك المجتمع وعرقلة خطوات التنمية وتكميم أفواه المخلصين من أبناء هذا المجتمع وإرهابهم بسطوة خرافة ما يسمى بدعاوى الحسبة و أن لا نتماهى مع الجهل بل نسعى لدفعة و التصدي لدهاقنته وسماسرته والتأكيد على أن أي شخص أو شخاص يتحركون بالنيابة عن المجتمع في الدعاوى الجزائية و الترويج لدعاوى الحسبة ماهم إلا خارجون على القانون و متمردون عليه .
[...] [...]
First I would like to ask your forgiveness for not writing in our Arabic language & it’s only because I don’t know how to type in Arabic .
Thank you for your enlightenment on what is going on , as we are totally ignorant when it comes to how the law works in our country & I hope one day there will be total justice in our justice system.
Our trust is in you
المحامي الانسان عبدالرحمن اللاحم… تحية احترام وتقدير…هذه المقالة ، والتي هي حلقة ضمن سلسلة، في التحيليل القانوني لدعاوى الاحتساب تجعل من الوعي الحقوقي في درجة عالية من الفعالية والرسوخ. اليوم لدينا شباب كثير ممتلئين انسانية ووعي ..أنت هنا تقدم لنا كلنا وعيا قانونيا نحتاجه كثيرا في دفاعنا عن الإنسان والعدل والحرية والمساوة.
سلمت
دائما رائع استاذ عبد الرحمن اتمنى لك التوفيق والنجاح المستمر رعاك الله
أحمد الله أنه وجد أخيرا من يتصدي بقوة وعلم ومعرفة لخفافيش الظلام الذين ينقضون علي كل من “بامكانه أن يفكر”. أوقفوا بالظلمة في عقولهم القدرة علي التفكير لدي أجيال كاملة..عموما وكما يقال:it is better late than never أرجو فقط أن يكون هناك شرح مبسط للأمور القانونية (وهي عادة معقدة) كي يستفيد الجميع. الله معك وأمثالك.
مساء الخير أبا خالد :
رائع ما سطرته يداك فالنظام واضح, لكن السؤال لماذا تستقبل المحاكم دعاوي الحسبة ومازالت ؟
ومن هو صاحب السلطة في ردع المحكمة عن تجاوزها لاختصاصها؟
ألا ترى أن القضاة لدينا يحتاجون إلى تأهيل قانوني؟
شكراً لك