بينما ينشط ( أبطال ) جده من الشباب والبنات ، الذين ضربوا أروع الأمثلة في التفاني ونسيان الذات ؛ في إغاثة المنكوبين وتقديم المساعدات لهم ؛ نشط آخرون من (الأشباح)  في الاحتساب ضد منكرات الكوارث ما ظهر منها وما بطن ، حيث أن الكوارث لها (أحكامها ) الشرعية التي لا بد من التقيد بها قبل أن تسول لك نفسك الأمارة بالسوء أن تمد يدك للمساعدة والإنقاذ ، ولابد أن يكون ذلك بإشراف (المشائخ وطلبة العلم) القادرين على معرفة كل شيء بما فيه تكنيك الغطس تحت الماء ، الذي لابد له هو الأخر أن يكون (منضبطاً) بالضوابط الشرعية ؛ حيث لا مساس بين الرجل والمرأة ، وأن يكون التقيد بقواعدهم  مقدم على إنقاذ امرأة أو انتشال جثتها ، والتحذير من منكرات الكوارث التي يأتي على قائمتها (اختلاط ) الجثث بين الجنسين ، لذا لابد أن يكون كل شيء تحت عين (الشيخ ) وبصره ، وطبعاً عندما نتحدث عن الشيخ فهو أي كائن حي قد مَنْ الله عليه بلحية كثة واستطاع أن يشتري (بشتاً) ينصبه على كتفيه عندها وصل إلى درجة القدسية المطلقة التي يستطيع من خلالها اختراق كل التجمعات وإعاقة كل شيء بما فيه إغاثة المنكوبين وإنقاذ الغرقى .

أولئك المحتسبة الأشباح لم يغاروا على حرمة (جسد ) المسلم ، ولم يغاروا على ممتلكاته التي جرفها الفساد ، ولم تعنيهم تلك المدينة التي كانت يوماً مدينة مفعمة بالحياة وانقلبت في ليلة إلى أزقة يكسوها السواد ، وتتوزع فيها سرادق العزاء ، تأن من جراحات الزمن الغابر ومن قهر الرجال ، بل كان هم (محتسبي المنكرات)  أن يمارسوا دورهم السلطوي الذي أدمنوه حتى ولو كان بالتعري من أي قيمة لها علاقة بالإنسانية السوية التي جبل الله البشر عليها ، وعندما نصفهم بالأشباح فلأنهم سرعان ما يتلاشون عند أي صيحة عليهم ، وينكرهم كبارهم ومؤسساتهم فلا أحد يمتلك الشجاعة لأن يتبنى خرافاتهم وحماقاتهم التي لا تنتهي .

لم يكن الفساد يعني لأولئك المحتسبة أي شيء وخصوصاً وأن من فصيلتهم من ولغ فيه ؛ فمقل منه ومستكثر ، وجميعنا يتذكر قصة (صاحب المليون ) الذي كان (يحتسب) في أحد الجمعيات الخيرية في جده لكن احتسابه كان من نوع خاص (جداً) حيث أجتهد في شفط المليون بحول الله وقدرته ، وقصص أخرى تبدأ بلصوص المساهمات العقارية ولا تنتهي بمساهمات الصابون والبيض ، التي يتربع على عرشها أناس من تلك الفئة (المحتسبة ) ويحق لنا أن نتساءل : أين احتسابهم في قضايا الوطن الكبرى التي تهم الناس في معاشهم وأقواتهم ؟ ولماذا لم يشن كبارهم معارك شبيهة بتلك المعارك التي شنوها من أجل حرمان المرأة من حقها في العمل ومحاربة وسائل الترفية وأخرها معركة الاختلاط التي صالوا وجالوا من أجل إعاقة عجلة التحديث ومصارعة طواحين الهواء

ولا ننسى محتسبين من نوع آخر وهم (محتسبو البيانات) الذين (جابوا الذيب من ذيله ) عندما تأكدوا بالأدلة العلمية القاطعة بأن ما حدث لجده ما هو إلا غضب من الله ونقمة من العزيز الحكيم على المعاصي من فئة (الكبائر) ، وأن السبيل الأمثل هو (التوبة ) النصوح من المنكرات والتي من بينها الفقر التي دفع البعض من أهالي جده لأن يستوطن الأماكن الرخيصة ، فالأغنياء لم يصلهم الغضب طبعاً لأنهم أتقياء انقياء ، أما العصاة من الفقراء في الأرض فقد طهرهم الله بتلك الكارثة حتى تكون لهم عضة وعبرة ويمن عليهم بتوبة نصوح .

تحية لفتيات وفتيان جده الذين أثبتوا بأن أجيالنا الجديدة متشبعة بروح المبادرة ومنعتقة من الخرافات ، وقادرة على أن تضخ فينا الأمل الذي يحاول البعض أن يسرقه بحفلات الشؤم والتشاؤم   .

2 ردود على الموضوع “محتسبو الكوارث”

  1. في يوم 12 ديسمبر 2009 بالساعة 10:32 ص قلم الجاحظ

    الكوراث للناجين عبرة .. و للمذنبين عقاب .. و للخيرين ابتلاء ..

    و الغرق أحد أبواب الشهادة . .

    نسأل أن يلطف بنا و يذهب عن الفساد قليله و كثيره

  2. في يوم 14 ديسمبر 2009 بالساعة 12:40 م بثينة النصر

    لهذا المقال أثر بليغ…
    فلغته حرفها لوم وعتب جاد، والغصة في روح الكاتب واضحة.
    أكثر ما لامسني هو الوضوح السلس لفحوى قائمة الإتهامات المنسية..و… الخطيرة
    ولماذا نأبى ورغم الصعوبات؛ التماهي مع معطيات هكذا منظومة من الناس.. قد يكون لأنهم ليسوا أشباحا رغم ما أجاد به “اللاحم” من وصف.. هم واقع تصحر مريع طال الحقول و الوديان و العقول.

    إن لم يكونوا زمرة مرتزقة و أكثر أهل الشقاق و النفاق عنفا … فهم حتما لا يشبهون حمائم السلام ولا أهل الفضيلة

    شكرا لك عبد الرحمن

تعقيب | ردود RSS

كتابة رد