كل الفاسدين بدؤوا بلقمة صغيرة
13 ديسمبر, 2009 من عبدالرحمن اللاحم
قبل عدة سنوات اتصل بي أحد الأصدقاء يحكي لي قصة حارس مدرسة طاعن في السن، يعول عدداً لا بأس به من الأطفال، كان ذلك الحارس المسكين يعمل على فترتين صباحية ومسائية حيث كان من حسن حظه أنَّ مدرسته فيها قسم ليلي، فكان صاحبنا يعمل على فترتين ليلاحق لقمة العيش التي يسد بها أفواه أطفاله، وفي أحد الأيام فاجأه مدير المدرسة بالاستغناء عن خدماته فيما يتعلق بالدوام المسائي، ومن أجل أن يعطي القرار مزيداً من الرهبة والهالة التي تمنع الحارس من الاعتراض أو التفكير بالاعتراض أو أن تسول له نفسه أن يسأل أو أن ينقب عن جذور القرار؛ أكد له بأن القرار صادر من الناس (اللي فوق) طبعاً دون أن يذكر )ماهية) و(كُنه) الناس اللي فوق ليفتح آفاق الخيال لدى الحارس المسكين، ثم بدأ المدير - الذي تبدو عليه سمات الصلاح - بسلسلة من المواعظ السريعة التي تدور حول الإيمان بالقضاء والقدر وأن الأرزاق مقدرة من عند العزيز الحكيم، وخوفه من الاعتراض على قدر الله وأنهى حفلة الوعظ بأن نصحه بأن يلح بالدعاء لعل الله يجبر مصيبته وأن يبدله خيراً منها، وأن يسارع بالتوبة فلعل ما أصابه إنما هو بسبب معصية اقترفها ذلك الفقير ليعاقب بفقدان ألف ريال من دخله الشهري وهي قيمة تلك المكافأة التي ذهبت مع الريح .
صاحبنا أذعن كما نصحه (الشيخ المدير) ولم يتسرب إلى قلبه شك، ولم يسمح للشيطان الرجيم بأن يوسوس له ويشكك في رواية الشيخ المدير، واحتسب ذلك عند الله، إلا أنه وبعد سنوات اكتشف الحارس المغلوب على أمره بأن مرتبه (الليلي) لم يتوقف وأنه مازال يصرف من خزينة الدولة، وأن شيئا لم يتغير اللهم إلا رقم الحساب الذي كان يودع فيه راتبه تغير بقدرة العزيز الحكيم إلى رقم حساب الشيخ المدير، وساهمت (هوشة الحرامية) داخل المدرسة في إخراج الوثائق المخبأة، ووشى بعض أعوان المدير به للحارس، طبعا لم يكن السبب صحوة لضمائرهم وإنما ضمن جولة من العراك وتصفية الحسابات الداخلية في مستنقع الفساد في تلك المدرسة (الصغيرة).
رُفع الموضوع إلى هيئة الرقابة والتحقيق وتم استدعاء الحارس الذي لا يجيد الكتابة ولا القراءة بحكم أنه مدعي بالحق الخاص وشاهد بالحق العام وكنتُ حاضراً معه كمحام، فأخرج المحقق ورقة مخالصة تؤكد بأن صاحبنا قد استلم كافة مستحقاته ما تقدم منها وما تأخر، ومهرت تلك الورقة بتوقيع مُعلمين في المدرسة فما أن سمع الحارس اسم المدرس الأول حتى صاح في وجه المحقق (يا رجل هذا ميت له ثلاث سنين) وبعد موجة من الضحك – وشر البلية ما يضحك - اتصلتُ بأحد المعلمين في المدرسة ليؤكد بالفعل بأن الشاهد لا يعدو أن يكون (شاهد ماشفش حاجة) لأنه ببساطة قد استوفاه العزيز الحكيم قبل توقيعـه على الورقـة بعـدة أشهر.
أحيل ذلك الشيخ المدير إلى ديوان المظالم ولا أعلم ما صنع الله به، لكنهم اكتشفوا سلسلة لا تنتهي من التلاعب المالي داخل المدرسة الصغيرة بسبب ذلك الحارس المغلوب على أمره، وبسبب إيجابية ذلك الصديق الشهم الذي بلغ عن تلك الحكاية ووقف مع الحارس ليستخرج له حقه ويفضح الفساد في جهاز حكومي .
تلك صورة مصغرة لجهاز حكومي صغير ولموظف حكومي صغير استغل الوظيفة العامة لينهب من المال العام لكنه نهب (على قده)، فهي صورة تتكرر كل يوم وعلى مدار الساعة، وأصبح الأمر كحوض الأسماك حيث هناك (القروش) وهناك (الحيتان) وهناك الأسماك الصغـيرة التي تقتات على الفتات، وفي كل دائرة حكومية مهما صغرت لا بد أن تجد فيها نوعاً من تلك الكائنات الحية، فالمدير في المدرسة يستغل (مقصف مدرسته) ليشغله لحسابه الخاص، والإدارة التي فوقه تستغل مناقصات البناء والترميم وتأمين أجهزة الحاسب للمدارس والبرامج ومخصصات (التطوير) وكـل في فساد يسبحون .
وكما أن الحكمة تقول إن (الوقاية خير من العلاج) فنحن في هذه الفترة بأمس الحاجة إلى المزيد من المعلمين من نوعية ذلك المعلم الذي بلغ عن مدير المدرسة المختلس، فلو أنه لم يتم اصطياد تلك السمكة الصغيرة فإنها ستتورم في المستقبل لتكون (قرشاً) أو ربما (حوتاً) يصعب اصطياده أو ملاحقته وقد قال الحكماء يوماً (المال السايب يعلم السرقة).
من فوائد هذه القصة … نحكم بالايمان على الجواهر وليس على المظاهر
:.)