نشرت بواسطة
عبدالرحمن اللاحم
فبراير
13
الأعزاء زوار هذه المدونة
أولاً: أشكر جميع من أسعدني بالمرور بهذه المدونة المتواضعة ، ومن أكرمني بالرد والتعليق والتصحيح طوال الفترة الماضية علماً بأن هناك بعض المقالات لم تنشر هنا وخصوصاً تلك التي نشرت في جريدة الوطن ، ومقالات سابقة ذهبت مع الريح بعد أن تعطلت المدونة قبل عدة أشهر .
ثانياً: أعتقد أنني بحاجة إلى وقت قد يصل إلى عدة أشهر للإسترخاء ومتابعة دراستي التي دخلت مرحلة تحتاج إلى التفرغ التام ، لذا سأتوقف عن الكتابة هنا ، كما أني قد أوقفت حسابي في الفيسبوك (مؤقتاً) للسبب ذاته .
أتمنى أيها الأعزاء أن نلتقي هنا وفي فضاءات الانترنت الواسعة قريباً .
عبدالرحمن اللاحم
نشرت بواسطة
عبدالرحمن اللاحم
فبراير
8
أتعجب أحيانا من هذا الاستبسال من فئة من خلق الله ، في البحث عن المبررات الدينية أو القانونية من أجل خلق حصانة لها ضد النقد ، فبعد أن أعجزتها الحجج الدينية من أن تعصمهم من النقد ، بدأت تلك الفئة تستصرخ النصوص القانونية والمبادئ القضائية ، والتي غالبية تلك الفئة لا تؤمن بجذورها وأبعادها القانونية حيث ظلت ردحاً من الزمان تعارضها منذ دخول التقنين إلى السعودية في حكاية لم تكتب بعد .
لقد أعاد معالي الشيخ صالح الحصين الجدلية التي لا تكاد تهدأ حتى تعاد جذعة من جديد حول العلاقة بين المؤسسة القضائية والإعلام ، حيث طالب معاليه بشكل صريح بلجم الإعلام وكُتابة عن تناول المسائل المتعلقة بالقضاء ، متترساً هذه المرة بمبدأ (استقلال القضاء) على فرضية أن تناول صحيفة لحكم قضائي إنما هو عدوان على ذلك المبدأ ، والأمر نفسه فصله زميلنا في هذه الجريدة (الإعلامي) عبدالعزيز قاسم الذي نافح عن تلك الفكرة ضد مهنته التي يفترض أن ينحاز لها ويدافع عن استقلالها هي الأخرى من وصاية الآخرين ، وأن لا يسمح لمن هم خارج المهنة أن يلقنوه أصولها و كيف يدير مهنته ، لكن الزميل آل على نفسه إلا أن يكون وعظا قانونيا لزملائه وذكرهم بنظام القضاء الصادر عام ١٩٩٥ الذي تم إلغاءه عام ١٤٢٨، لكن يبدو بأن الزميل وقت إلغاء ذلك القانون كان منشغلاً بمكاشفاته ولم يسمع بالتنظيم القضائي الجديد رغم الضجة الإعلامية التي صاحبته .
اتكأ زميلنا العزيز ومن نقله عنه على مبدأ استقلال القضاء دون أن يبين مفهوم ذلك المبدأ وكيف مارسته الشعوب التي أوجدته ورسخته في دساتيرها وفي الصكوك الدولية ومارسته في مؤسساتها القضائية ، فمبدأ استقلال القضاء مبدأ طاريء على ثقافتنا وموروثنا الثقافي وقد قمنا باستنباته في وثائقنا القانونية دون أن يكون له أصول عملية في تاريخنا وبالتالي يفترض أن ننظر كيف طبقت الدول والأمم المتمدنة هذا المبدأ ، وهل ألجم ذلك المبدأ الإعلاميين عن تناول المسائل القضائية وحضور المحاكمات وكتابة التقارير الصحفية عن المحاكمات الشهيرة المثيرة لشهية الإعلاميين ؟ ولا أعتقد بأن الأخ عبدالعزيز وصل حداً من الجرأة بأن يلقن أولئك الشعوب مفاهيم استقلال القضاء وهم الذين يمارسونه منذ أن كنا نحرم (التلكس) ونعتقد أنها رجس من عمل الشيطان .
لم يحصل في تلك المجتمعات المتقدمة أي تصادم بين (استقلال القضاء) و (حرية الإعلام) لأن المفاهيم لكلا المبدأين كانتا واضحة المعالم ولا يمكن أن تعدو أحدهما على الأخرى ، لذا نجد إن الاتفاقيات الدولية بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص بشكل صريح على (علانية المحاكمات ) وعدها معياراً مهماً وأساسياً من معايير المحاكمة العادلة والأمر نفسه نجده في بنيتنا التشريعية المحلية ، فنظام الإجراءات نص وبشكل واضح بأن الأصل أن تكون المحاكمات علنية وأن الاستثناء السرية ، ونص كذلك على أن جلسة النطق بالحكم لابد أن تكون علنية بحيث لا يجوز للقاضي أن يجعلها سرية ، ومن هنا يمكن أن ندرك القيمة التي خلف تلك النصوص القانونية؛ فهي ليست نصوصاً صامتة وإنما يكمن خلفها قيمة حقوقية وقانونية ارتأ المشرع ترسيخها من خلل النص ، فكيف نتحدث عن عدم جواز تناول الأحكام القضائية وهي بالأساس أحكاماً علنية بمعنى أنه يحق لأي شخص أن يلج المحكمة ويحضر المحاكمة بما فيهم رجال الإعلام، وعليه فإن الإحكام والحالة هذا لا يمكن منع من حضرها أن يكتب أو يتحدث أو ينتقدها لأن هذا هو المغزى والقيمة من وراء جعل المحاكمات علنية وهو ( الرقابة الشعبية على القضاء) وهو مافهمته الأنظمة القضائية في كل دول العالم والتي لم تعاني من ثنائية استقلال القضاء ورقابة الاعلام عليه ، فأبواب المحاكم مشرعة ، والجميع تابع المحاكمات الدولية وكيف أنها تبث حية على الهواء لا لشيء إلا لمجرد ترسيخ مبدأ (الرقابة الشعبية على القضاء) فمن حق الناس أن تطمئن بأن عجلة العدالة تدور بالشكل الصحيح ، ولا يمكن مصادرة هذا الحق تحت أي لافتة ، فالقاضي عندما يصدر حكماً قضائيا بجلد عجوز أو إقرار نكاح طفلة – على سبيل المثال – فإنه يفترض أن يكون قادراً على الدفاع عن حكمه ، ومن حق الناس في والوقت ذاته أن تسأل عن حيثيات وأسانيد ذلك الحكم ، وفي حالة عدم قدرته على التبرير فلا يعني هذا الدعوة إلى تكميم الأفواه .
كما أن استقلال القضاء لا يتوقف فقط عند حد استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية وإنما يعني أيضاً استقلال القضاة عن (الأيدلوجيا) بأن يحافظ القاضي على حياديته وألا ينحاز إلى أحد الفرقاء في الصراعات الفكرية ، لأن استقلاله يفرض عليه أن يكون (محايداً) رائده العدالة المقدسة ولا غير.
هناك قاعدة بسيطة جداً مفادها ؛ إن الشخص الذي يخشى من الإعلام هو من لديه (شيء) يخفيه ، لذا يفترض ألا يسمح له بأن يستتر ليمارس ذلك (الشيء) بعيداً عن السلطة الرابعة ، وأن كل الصيحات التي تدعو إلى الحصانة من الإعلام ماهي إلا مظاهر من مظاهر الصراع بين الأمس واليوم ، بين مشروع حالم وبين من يريد أن يعود بنا إلى (زمانات) طويت ، ومن سوء حظهم أن العجلة لا يمكن لها أن ترجع إلى الخلف .
نشرت بواسطة
عبدالرحمن اللاحم
فبراير
4
عندما قدمتُ مع زوجتي وأطفالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، تأخرت في تسجيل أولادي (خالد وحصه) في المدرسة الحكومية في الحي الذي أقيم فيه ، حيث وصلتُ متأخراً بعد أن بدأت الدراسة في المعهد الذي أدرس فيه ، وانشغلت لمدة ثلاثة أيام في اللحاق بالمحاضرات واستكمال إجراءات التسجيل ، في تلك الأثناء كان الأولاد يستكشفون المكان من حولهم ، ويخرجون إلى البحيرة التي كانت قرب المجمع السكني ، ويلعبون في حديقة المجمع ،ويتعرفون على عالمهم الجديد ، وبعد ثلاثة أيام وجدت ورقة معلقة على باب شقتي يخبرني موظفو الإدارة في المجمع بأن عليَّ المثول للمكتب في يومه وساعته ، وعندما ذهبت إلى المكتب وقابلت أحد المسئولات هناك قالت : أنهم شاهدوا طفلين خارج الشقة يلعبون في الحديقة في وقت الدراسة لمدة ثلاث أيام بلياليهن واكتشفنا بأنهما أطفالك ، فهل قمت بتسجيلهما في أحد المدارس ؟ حاولت أن أشرح لها الظروف بشيء من (التمسكن )و(اللواقة) المنهي عنها شرعاً ، محاولاً تحريك (عصاي) في إلماحة خبيثة إلى إعاقتي لعلها تشفع لي في تخفيف حدة نظراتها الصارمة ، لكنها قالت بشكل حازم : أن القانون في الولايات المتحدة الأمريكية يُجرم حرمان الطفل من التعليم ، وأن من واجباتك القانونية – مادمت قد وطأت هذه الأرض المباركة – أن تلحقهما في أحد المدارس ، وأن عقد الإيجار (الذي كان مكون فقط من خمسين ورقة ، لشقة مساحتها مائة وعشرين متراً مربعاً ) يلزمك بالالتزام بقانون الولاية والقوانين الفدرالية ، ولنا الحق بالتبليغ عن أي تجاوزات في هذا الإطار ، وقالت كلام (كبير جداً ) لاحت أمامي أبواب الترحيل وأنا اسمعه ، مع أني لم أفهم معظمه ، وبعد أن وقعت على ورقة بتبليغي بذلك أخبرتني بأنه يجب علي إحضار ما يثب إلحاقهما بالمدارس.
وفي ذات السياق ، وفي يوم من الأيام ، كنت ألقي ورقة في مؤتمر حول حقوق الطفل ، نظمته أحد الجمعيات المحلية المهتمة بالمرأة والطفل في الحرس الوطني بالرياض ، وكنت أتحدث يومها عن الجوانب القانونية والقضائية المتعلقة بحقوق الطفل في التشريعات السعودية وتطبيقاتها القضائية ، وجاء الحديث حول السماح للأطفال بالمشاركة في سباق الهجن وأن هذا يخالف المبادئ القانونية المتعلقة بحماية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية بهذا الشأن التي أنظمت لها المملكة ، وفجأة تداخل أحد الحضور بكل عفوية ، وكان ذا رتبة عالية في أحد القطاعات العسكرية قائلاً : ( إن أولئك الأطفال هم من يسجلون أنفسهم في تلك السباقات من أجل “وايت ماء” ومبالغ نقدية تصرف لهم في نهاية السباق تعين عوائلهم على نوائب الدهر) بمعنى أنهم هم الذين يصرون ويرغبون في انتهاك حقوقهم كأطفال ، وإباءهم راضين عن ذلك ، والمثل القديم يقول ( يا داخل بين البصلة وقشرتها… ) إلى أخر المثل ، طبعاً على كلام الأخ الكريم فإن الطفل إذا قرر أن يترك الدراسة ، أو يبيع المناديل والماء في التقاطعات فهو أمر راجع له ولوالديه ، ويفترض أن نقف كمجتمع ودولة محايدين دون أي حركة إيجابية .
تستطيع أن تسقط ما سبق على ما حدث في حكاية ( فتاة بريدة ) حيث خرجت الأم تصرخ وتستصرخ المجتمع والدولة من أجل إنقاذ طفلتها من براثن وحش ثمانيني مهووس يريد أن يختم عمره بنكاح طفلة بسن حفيداته ، مادام أنه يملك المكنة المالية لأن يشتري ما يشاء بما فيهم البشر ، وبعد أن تعاطف الناس مع القصة ، تفاجأ الناس بأن تلك المستغيثة تقرر بأنها تنازلت عن قضيتها وقضية طفلتها ، وقررت في ليلة غاب فيها الضمير أن تكون شريكة في جريمة كانت تشجبها بالأمس القريب ، وكان الفصل الأخير من الحكاية أن الطفلة اقتنعت أخيراً بأن من (العقوق) المنهي عنه شرعاً أن ترفض طلب والدها بأن يزفها إلى ذلك الهرم بثمن بخس دراهم معدودة ، وكان المُشرعن لذلك كله ممثل العدل والعدالة ، ليحكم بإقرار ذلك العقد ويباركه ، طبعاً بعد أن اطمأن على أن (الزوجة الطفلة) قد أصابها الطمث !!.
تلك الحكاية التي أعتبرها من أقسى المأسي الحقوقية التي مرت على المملكة ، تختزل لنا الكثير من اعوجاجنا الثقافي والفكري ، حيث جعلنا عقد الزواج بين طرفين لا ثالث لهما ؛ أولهما الزوج وثانيهما الولي ، أما الزوجة فهي لا تعدو أن تكون سوى ( معقود عليها ) كما ينص عليه الفقهاء ، فكما أن المعقود عليه في عقد البيع ( العَيْن “يعني بيت أو سيارة أو نحو ذلك” ) وفي عقد الإجارة (المنفعة) فإن المعقود عليه في عقد النكاح هي الزوجة ، وعليه فإنهم أجازوا فسخ النكاح بطلب من ( الولي) إذا ما ادعى عدم الكفاءة بالنسب مع الزوج ، و أعطوه الحق أيضاً في أن يقرر تزويج طفلته دون أن يكون لأحد الحق في الاعتراض بما فيهم (الزوجة ) لأنها أصلا خارج الموضوع برمته ، لذا نجدهم يأخذوا بالقبول الصادر من تلك الطفلة في حكاية طفلة بريدة مع أنها لا تملك (الأهلية الشرعية ) لإمضاء العقود ، والسبب – وكما أسلفت – لأنها ليست طرفاً أصيلاً في العقد وإنما هي أشبه بالمنفعة المعقود عليها في عقد الإيجار وبالتالي لا أهمية لرأيها لأن (الإيجاب والقبول ) إنما يصدر من الزوج وولي المرأة فما داما يملكان الأهلية الشرعية فإن العقد والحالة هذه ينعقد ولو كان قبول الزوجة معتبر عند القوم لحكم القاضي ببطلان العقد لأن قبول الطفلة غير معتبر شرعاً كما سبق ، وتلك الحالة أقل ما يمكن أن توصف بأنها خروج(سافر) عن مقاصد الشريعة في إقرار قواعد وأحكام النكاح ، وما لم نعيد المعادلة إلى وضعها الصحيح ، بحيث تكون الزوجة هي صاحبة القرار في زواجها وطلاقها ، وأن لا تكون مجرد (معقود عليها) فإن المشاكل من ذلك النوع ستتفاقم ، لأننا نكرس وضعاً معوجاً لا يمكن إصلاحه من خلال مهدئات ومسكنات لا تنفذ إلى جذر المشكلة لتجتثها من أصولها .
وبالعودة إلى طفلة بريدة وحكايتها الدامية فإنه كان يفترض على الأجهزة الحكومية التدخل بحكم سلطتها ومسئوليتها في تطبيق نصوص تلك الاتفاقية الدولية التي تعد بعد التوقيع عليها جزءً من نسيجنا التشريعي ، حتى ولو تنازلت أو أقنعت تلك الطفلة بالتنازل عن حق أساسي من حقوقها ، لأن النصوص الحمائية الواردة في القانون ( الاتفاقية ) هي من النظام العام ، وبالتالي فلا يجوز التنازل عن الحقوق الأساسية الواردة في القانون، وأن أي تنازل من هذا النوع يعد مخالفاً للقانون ولا يمكن أن ينتج أية آثار قانونية ، ولا يعفي من الجرائم المتعلقة به ، فلو افترضنا – جدلاً – أن متهماً قَبل بالتعذيب بحجة (التطهير من الذنب ) أو لأي سبب أخر، فإن هذا لا يعني تطبيق طلبه والشروع في تعذيبه بحجة تنازله عن حقه في سلامة جسده ، كما أنه لا يعني إفلات المتورطين بتلك الجريمة (التعذيب) من العقاب ، والأمر نفسه في (الحق في المساواة ) فلو افترضنا أن شخصاً تنازل عن حقه في المساواة ، واقتنع بأن ذلك الحق ما هو إلا بضاعة غربية وأن الناس يتفاوتون نسباً وحسباً ، وأنه يقرر بأن ديته ستكون نصف دية الحر ، فإن ذلك التنازل لا يمكن قبوله قانونياً ولا يمكن للأجهزة الحكومية أن تقبل ذلك التنازل وتمارس معه التمييز وتعمل له (داون قريد ) لأن الأمر يتعلق بقاعدة قانونية تعد (من النظام العام ) التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها بأي حال من الأحوال ، وأن هناك اتفاقية دولية ؛ هي (اتفاقية مناهضة التمييز العنصري) تحكم الموضوع ولا يجوز الخروج عن أحكامها بأي حال من الأحوال ، وعلى ما سبق فقس .
تجاوزت الألف ومائة كلمة … مع أني قد عاهدت نفسي على عدم التطويل فيما ينشر في المدونة لكن الموضوع طويل وذو شجون ، ولعلي أكمل في تدوينة قادمة .
نشرت بواسطة
عبدالرحمن اللاحم
يناير
30
لقد تلقينا بالغبطة والفرح نبأ إصدار المحكمة العليا بنقض الحكم الصادر بالتفريق بين (فاطمة ومنصور) في القضية المعروفة بقضية (الكفاءة بالنسب ) والتي كان لنا الشرف الترافع فيها والتي استمرت دائرة بين عدة جهات قضائية وحقوقية لمدة أربع سنوات ، ووجدت أخيراً طريقها للحل العادل الذي سيجمع شتات تلك الأسرة المكلومة .
وقد حرصنا طوال إدارتنا للقضية على التركيز على مخالفة الحكم لأبسط القواعد الشرعية ، إضافة إلى مخالفته الصريحة للاتفاقيات الدولية ، وعلى وجه الخصوص اتفاقية مناهضة التمييز العنصري التي وقعت عليها المملكة العربية السعودية ، وكنا حريصين تسليط الضوء من خلال المساجلات الإعلامية التي رافقت القضية منذ بدايتها على ملف العنصرية والتمييز الذي فتحه الحكم المذكور وأن ذلك يتصادم وأبسط قيم حقوق الإنسان التي تنبذ التفرقة والتمييز أياً كان سببه .
وإننا إذ نشيد بقرار المحكمة العليا لنأمل بأن يكون حكمها بداية جادة للتصحيح المؤسسي في مسيرة العدالة في المملكة ، وخلق قواعد قضائية صارمة تكفل بتصحيح التجاوزات من داخل المنظومة القضائية من أجل ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والالتزام بها في المحاكم ، كما نؤكد على دور الإعلام الحيوي في تقييم العمل العدلي وتقويمه من خلال تناول مثل تلك القضايا التي لها علاقة بمبادئ حقوقية وقيم عدلية راسخة، حيث كان الإعلام شريكاً في إيصال أصوات المنكوبين إلى صناع القرار والرأي العام ، والأمر نفسه للإعلام الجديد وأصواته الحرة في المدونات والمنتديات الحرة التي كانت علامة بارزة خلال الفترة الماضية في مسيرة العمل الحقوقي في المملكة العربية السعودية .
ولا يفوتنا في هذا الصدد تقديم الشكر لكل من وقف مع القضية ودعمها طوال مراحلها المتعددة ، ولا يفوتني أن أشكر الناشطة الحقوقية الأستاذة فوزية العيوني التي رافقت مسيرة هذه القضية منذ بدايتها ولازالت تحملها ، وقدمت الكثير في سبيل الدفاع عن تلك القضية العادلة ، كما أتقدم بالشكر الجزيل للصحفية ابتهال مبارك التي تابعت القضية صحفياَ ، وكانت أول من اخترق جدران العتمة وأجرت لقاء صحفي مع فاطمة من سجنها ، وتابعت القضية خلال تقارير صحفية متعددة .
نتمنى لتلك الأسرة حياة هانئة ، وأن يتمكن أطفالهم من تجاوز كل عوالق تلك المرحلة المظلمة ، وأن يستأنفوا حياتهم من جديد بعيداً عن وصاية الآخرين .
عبدالرحمن اللاحم
الولايات المتحدة الأمريكية
سياتل
نشرت بواسطة
عبدالرحمن اللاحم
يناير
26
في أحد الأيام القت السلطات الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية على أحد المقيمين المكسيكيين وكان بحوزته كمية لابأس بها من الهروين ، وتم ايداعه السجن ومن ثم تقدم الادعاء ضده بدعوى جنائية جراء حيازته تلك الكمية من المخدرات ، وقدم إلى المحاكمة الجنائية ، وبما أن ذلك المكسيكي غير قادر على دفع أتعاب محام يتولى الترافع عنه أمام المحكمة فقد تطوع محام مغمور للدفاع و الترافع عنه مجاناً ، وبعد عدة مداولات وجلسات مطولة مع موكله دفع المحامي بأن هناك خللاً في إجراءات القبض على موكله ؛ حيث أن رجال الشرطة قد قرأوا عليه حقوقه باللغة الانجليزية وموكله لا يجيد التحدث باللغة الانجليزية ، والقانون يوجد إبلاغ المتهم بحقوقه فور القبض عليه بلغة يفهمها ، وبعد استدعاءات ومداولات وإقرار رجال الشرطة الذين تولوا القبض عليه بأنهم تلوا عليه حقوقه باللغة الانجليزية فقط ، عندها حكمت المحكمة ببطلان إجراءات القبض وبراءة المتهم من الدعوى المنسوبة إليه .
تلك القصة تختصر كل ما يمكن أن يقال حول مركزية قانون الاجراءات الجزائية (الجنائية) في بنية حقوق الانسان وكيف أنه يعد السياج القانون لحماية حقوق وكرامة الانسان من أن يعدو عليها رجل الضبط أو ان تصادرها السلطة .
وقد سبق وأن طرحت في عدة مناسبات أهمية المراجعة الدقيقة لنظام الاجراءات الجزائية حيث أنه يعاني من خلل في الصياغة أدى إلى ضمورالمضامين الحقوقية بشكل فوت المصلحة من سنها وتشريعها وبما أن النظام يخضع حالياً للمراجعة من قبل مجلس الشورى ، فإننا نعيد تكرار بعض الأفكار الأساسية التي نعتقد أنها بحاجة إلى تعديل ، ويأتي على رأسها ضرورة تعديل أحكام البطلان بحيث ينص بشكل واضح وصريح بأنه (لا يعتد بالدليل إذا كان وليد إجراءات باطلة) لأن النظام بصورته الحالية لم يصرح بشكل واضح ببطلان الاجراء وبالتالي بطلان القضية التي كانت وليدة ذلك الاجراء الباطل ، بل أعطى سلطة تقديرية للقاضي للتقرير والتفريق بين الاجراء الجوهري وغير الجوهري ، مع أعتقادنا بأن كل الاجراءات الواردة بالنظام تعد من قبيل الاجراءات الجوهرية ؛ لأن خلفها يكمن حق قصد المشرع من وراءه حماية حق من حقوق المتهم وبالتالي فلابد من أجل إعادة الهيبة للنظام أن ينص على أنه لا يعتد بالدليل متى ما كان وليداً لأي إجراء باطل والقول بغير هذا إنما يفرغ النظام من هدفه والمقصد من تشريعة ؛ فما الفائدة من النص على حق المتهم بأن لا يلج إلى بيته أحد بقصد التفتيش دون مذگرة صادرة من الجهة المسؤولة مادام أن المتهم لا يمكن أن يدفع ببطلان إجراءات التفتيش أمام المحكمة ؟ وما الفائدة من النص على حقوق المتهم في التحقيق والمحاكمة ما دام أنه متى ما خالفها رجل الضبط فإنه سوف يعتد بها في المحاكمة ؟ .
إنما تكمن أهمية النظام عندما يرفض القضاء أي دليل خالف حكماً من أحكام النظام كما بينا في القصة السابقة ، ويرفض نظر أي قضية شابها خلل إجرائي حتى يعاد تشكيل الدورة الجنائية بشكل سليم بما يتوافق وروح القانون ومقاصده ، ولعل البعض يطرح بأن تطبيق قاعدة البطلان بهذه الصرامة قد يساعد المجرم من الافلات بجرمة والانعتاق من العدالة ، إلا أن ذلك التساؤل المشروع يمكن الاجابة عليه بأن التطبيق الصارم للنظام سيدفع رجل الضبط إلى الالتزام الصارم بالنظام لأنه يعلم بأن المتهم سيخرج من القضية متى ما فرط في ضبط الاجراءات كما جاءت في النظام، فهو يحكم قبضته عليه بالقانون ومتى ما فرط رجل الضبط فالمسئولية تقع على عاتقه وعاتق من أوكله تلك المهمة دون تدريب أو تأهيل ، ويكون مثله مثل من يشرع أبواب السجن ويترك السجين يهرب أمام عينيه دون أن يعمل على أحكام مغاليق زنزانته ، فكل النظريات الحديثة إنما تنحاز للفرد وحقوقه لأنه الأساس المكون للمجتمع الذي من أجل امنه شرعت العقوبات وشرعت الأنظمة .
النقطة الثانية التي أعتقد أنها حرية بالمراجعة هي قاعدة ( افتراض البراءة ) حيث أن تلك القاعدة تعتبر حجر الأساس في المحاكمة الجنائية فقرينة البراءة هي العلامة الفارقة بين الأنظمة الحديثة والانظمة الجنائية التقليدية لذا نجد أن العديد من الدول تتجاوز إدراجها في قوانينها التي تنظم الاجراءات الجنائية إلى أن تنص عليها في دساتيرها لأنها تمثل الشرعية الجنائية بكل تجلياتها وللاسف فإن نظام الاجراءات الجزائية لم يدرج تلك القاعدة كمادة مستقلة في النظام مع أنها قاعدة مستقرة في الشريعة الاسلامية حيث تنص القاعدة الأصولية على (أن الاصل براءة الذمة) وليت الأمر توقف عند هذا بل إن المادة الرابعة والثلاثون تنص على أنه : (يجب على رجل الضبط الجنائي أن يسمع فوراً أقوال المتهم المقبوض عليه، وإذا لم يأت بما يبرئه يرسله خلال أربع وعشرين ساعة مع المحضر إلى المحقق الذي يجب عليه أن يستجوب المتهم المقبوض عليه خلال أربع وعشرين ساعة، ثم يأمر بإيقافه أو إطلاقه )
فهذه المادة جاءت بما يخالف مبدأ افتراض البراءة وطلبت من المتهم الذي يفترض فيه البراءة أن يتحمل عبءإثبات براءته مع أن المستقر عليه لدى كل الانظمة القضائية بأن عبء الاثبات يقع على الادعاء تماشياً مع قرينة البراءة وتماشياً مع الانظمة الاجرائية الجزائية التي تتعاطى مع المتهم على أنه بريء حتى تثبت إدانته من خلال محاكمة عادلة لذا يطلق على قانون الاجراءات الجنائية (قانون الشرفاء) لأنه ينظم التعامل مع شخص هو أمام القانون لازال شريفاً وبالتالي لابد أن يتعامل معه على هذا الاساس من لحظة القبض عليه إلى محاكمته ولابد أن يكون توقيفه في اضيق الحالات وأن يكون في أماكن منعزلة على المجرمين المحكومين بأحكام قضائية وكل ذلك ماهي إلا أثار لتلك القاعدة التي دائماً ما نكررها لكننا قليل ما ندرك أبعادها الحقوقية وفلسفتها القانونية، وطول عملي في المحاماة وأنا أبحث عن حكم صدر من أحد محاكمنا الشرعية لاإنني لم أعثر عليه حتى أخرجت من المهنة ، وقد قال منتسكيو يوما من الدهر ( بأنه عندما لا تضمن براءة المواطنين فلن يكون للحرية وجود) .
وسيكون هناك تقرير مفصل عن بقية الملاحظات التي أعتقد أنه من المهم إدراجها في النظام بنسخته المعدلة من أجل يتماشى ومعايير المحاكمة العادلة كما يفهمها العالم وسترسل (سراً) إلى رئيس وأعضاء مجلس الشورى أخذاً بفتوى وجوب مناصحة المسؤولين سراً .